كيف تؤثر السياسة المحلية في تشكيل المؤسسات الدولية؟ وكيف تقوم المؤسسات الدولية بتشكيل السياسة المحلية؟ لتوضيح العلاقة بين «المؤسسات الدولية والسياسة المحلية»، يبحث الكتاب الذي نعرضه هنا، لمؤلفيه ليوناردو باتشيني (أستاذ مساعد في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية) وجوهانس أوربلينن (أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة كولومبيا)، فيما إذا كان القادة في الدول النامية يستخدمون اتفاقيات التجارة التفضيلية مع القوى العظمى لتعزيز الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية. تركز نظرية الكاتبين على قرار فردي من قبل القائد بالانضمام إلى اتفاقية مع قوة عظمى، ويتوقعان أن يسعى القائد إلى خطوة كهذه بوجود شرطين اثنين: رغبة القائد نفسه في الإصلاح الاقتصادي، ومواجهته معارضة سياسية داخلية لعملية الإصلاح، لكن الاتفاقية تساعده في التغلب على هذه المعارضة. ولاختبار نظريتهما يعمل المؤلفان على دراسة فرضيتين اثنتين: تقول أولاهما إنه في أعقاب عملية تحول ديمقراطي حديثة، يؤدي تغيير القائد إلى زيادة احتمال مشاركة البلدان النامية في مفاوضات اتفاقية التجارة التفضيلية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة (الفرضية التي تمثل حجر الزاوية في نظرية الكاتبين). أما الفرضية الثانية فخلاصتها أن مفاوضات اتفاقية التجارة التفضيلية تعزز الإصلاح الاقتصادي السريع في البلد النامي. ولتوضيح هذه النظرية، يناقش المؤلفان علاقة إصلاحات جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري، و«اتفاقية التجارة والتنمية والتعاون» التي أبرمتها جوهانسبيرج مع الاتحاد الأوروبي. ويعرض النموذج الجنوب أفريقي تغييراً بارزاً تمثل في تسلّم نيلسون مانديلا رئاسة البلاد في فترة التحول الديمقراطي التي حصلت خلالها الأغلبية السوداء على حق التصويت. وكانت جنوب أفريقيا أحد الاقتصادات النامية التي لها تاريخ سابق في التدخل الحكومي الواسع، لكن اتفاقية التجارة التفضيلية ستفرض توجهاً آخر. وقد بدأت مفاوضات اتفاقية التجارة التفضيلية عام 1994 وأبرمت عام 1999، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2004. ويتبين من هذا النموذج أن الرئيس مانديلا الذي واجه معارضة سياسية داخلية للإصلاح، وعانى فقدان المصداقية في أوساط مؤيديه عقب انحيازه لسياسة التحرير الاقتصادي.. استخدم مفاوضات اتفاقية التجارة التفضيلية لتشجيع التحرير الاقتصادي الذي كانت الحاجة ماسة إليه خلال عملية تحول ديمقراطية صعبة. ويقدم المؤلفان أدلة على أن تجربة جنوب أفريقيا قابلة للتعميم، وذلك بإبراز التأثير التفاعلي للديمقراطية وتغيير القادة في مفاوضات اتفاقية التجارة التفضيلية، وبالتأكيد على أن من شأن مثل هذه الاتفاقيات التجارية أن تحث على الإصلاح الاقتصادي في البلدان النامية، وأن القادة الجدد الذين يواجهون ظروفاً سياسية صعبة في ظل التحول الديمقراطي، يعتمدون بشكل خاص على الالتزام الجدير بالثقة والدفعات الجانبية المحلية التي تسمح بها اتفاقيات التجارة التفضيلية مع القوى الكبرى. ويتوقف المؤلفان عند منطقة الشرق الأوسط التي شهدت ضغوطاً داخلية خلال السنوات الماضية الأخيرة للدفع نحو «التحول الديمقراطي» فيها، حيث جرت عمليات تحول لكنها ما تزال عمليات هشة. وفي هذا الخصوص يعتقد المؤلفان أن تكثيف التعاون التجاري مع الدول التي تحولت حديثاً إلى الديمقراطية، يمكن أن يعزز «التحرر الاقتصادي» ويساعد القادة المعرضين لخطر السقوط على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية. لذلك يوصيان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بإبقاء أبوابهما مفتوحة أمام هذه البلدان الراغبة في تعاون تجاري أعمق. محمد ولد المنى الكتاب: المؤسسات الدولية والسياسة المحلية المؤلفان: ليوناردو باتشيني وجوهانس أوربلينن الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2015