صدم تنظيم «داعش» العالم بوحشيته ودمويته ولكن أيضاً بنجاحاته في ساحة القتال وفي استقطاب وتجنيد أعضاء جدد مستعدين ليصبحوا حطباً لناره، وخاصة بين الشباب التائه والفاقد للبوصلة الذي يستهدفه التنظيم بشكل خاص. لكن ما الذي يفسّر صعود «داعش»؟ وماذا يشي به ذلك بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط؟ في كتابه الجديد «داعش»، يلقي فواز جرجس ضوءاً كاشفاً على أسئلة من هذا القبيل ضمن ما أراده أن يكون تأريخاً لصعود «داعش» ونموه. والواقع أن كتباً كثيرة صدرت حول التنظيم المتطرف ونشأته وسر نجاحاته، لكن ما يميز هذا الكتاب هو كونه من تأليف أكاديمي يُعتبر مرجعاً في متابعة حركات الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية، ويحظى بتقدير واحترام في الأوساط الأكاديمية والصحفية، مثل فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية. وإلى ذلك، يمتاز الكتاب بتحليله الأكاديمي الرصين والعميق الذي يتباين مع أسلوب الكتابة الصحافية، حيث يقدم سرداً قوياً ومقنعاً حول الظروف الذاتية والموضوعية التي ساهمت في صعود «داعش» ونموه. وفي هذا السياق، يصف المؤلف كيف نشأ «داعش» في خضم الفوضى التي شهدها العراق عقب الغزو الأميركي في 2003، وكيف تقوّت شوكته عقب «الربيع العربي» والحرب في سوريا، وكيف انتزع زعامة الحركة الجهادية من «القاعدة». كما يدرس قوة التنظيم وزعمائه والتوغلات المثيرة للقلق التي قام بها في العراق وسوريا والمناطق الكردية منذ صيف 2014، والثروة الضخمة التي جناها من النفط والسوق السوداء، وجاذبيته للشباب الساخط والناقم على مجتمعه. وعلاوة على المقدمة التي أفردها لتاريخ نشأة التنظيم، يتألف الكتاب من ثمانية فصول رئيسة: العالم وفق «داعش»، من أين أتى «داعش»؟ كيف غذّى تعطل الحياة السياسة العراقية انبعاث «داعش»، تطور البغدادي من التواري إلى الظهور (سيء السمعة)، البعثيون وجهاديو «داعش»، كيف ساهت الحرب السورية في تقوية شوكة «داعش»، اختطاف انتفاضات «الربيع العربي»، «داعش» مقابل «القاعدة». ثم ختم المؤلف كتابه بخاتمة تستشرف مستقبل التنظيم. «داعش» يزعم أن هدفه هو إعادة إحياء دولة الخلافة وتخليص بلاد الإسلام من الشيعة وباقي الأقليات الأخرى. وخلافاً لتنظيم «القاعدة»، الذي كاد يصبح في ذمة التاريخ بعد مقتل مؤسسه أسامة بن لادن، ركز «داعش» حربه في البداية على «العدو القريب»، أي الشيعة وحكومتيهما في العراق وسوريا، إضافة إلى الدول التي يعتبرها موالية للغرب في الشرق الأوسط. غير أنه في ما يبدو تحولا تكتيكياً، لاسيما بعد تشديد الخناق عليه في سوريا والعراق نتيجة ضربات التحالف الدولي، انتقل التنظيم مؤخراً لتنفيذ هجمات كبيرة في أوروبا وأماكن أخرى خارج الشرق الأوسط، مما يؤشر على أنه بات مهتماً بشكل متزايد باستهداف «العدو البعيد» (الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الغربية) أيضاً. وفي الختام، يشرح جرجس كيف أن عقوداً طويلة من الحكم الديكتاتوري والفقر وتصاعد النعرات الطائفية في الشرق الأوسط، والتي ازدادت استفحالا وتفاقماً مع التدخل الأجنبي، ساهمت مجتمعة في صعود «داعش»، ولماذا تظل معالجة تلك المشاكل السبيلَ الوحيد لضمان اندحار التنظيم الإرهابي ونهايته. محمد وقيف الكتاب: داعش المؤلف: فواز جرجس الناشر: برينستون يونيفرستي برِس تاريخ النشر: 2016