نحاول أن نجد أملاً في المفاوضات السورية في جنيف، ولكن الأمل ضعيف جداً في إمكانية إيجاد حل سياسي مقبول، وسط هذا التردد الدولي حول اتخاذ قرار حاسم ينهي تصاعد المأساة السورية التي ألقت بظلالها القاتمة على المنطقة، ووصلت تداعياتها الفاجعة إلى أوروبا، وإلى العديد من أصقاع العالم، وقد أخفقت الجولتان السابقتان، حيث ترافق مع الأولى قصف مدمر على سكان محافظة حلب شاركت فيه روسيا، مع إعلان النظام رفضه للتفاوض. وأخفقت الجولة الثانية لرفض النظام مناقشة الموضوع الأساس، وهو تشكيل هيئة حكم انتقالية. وكان الدور الروسي معطلاً لمسيرة التفاوض، حين أصر على تحويل لقاءات التفاوض إلى حفل فلكلوري ضاعت في ضجيجه الأصوات الباحثة عن حل جاد، فقد بدا المشهد هزلياً حين جاءت معارضة مصنعة، تناضل بقوة لتأييد النظام والمطالبة ببقائه مع إجراء عمليات تجميل لإصلاح التشوهات. ومع أننا نتفهم رغبة «دي مستورا» في إرضاء أطراف الصراع الداعمة للنظام، فإننا نخشى أن تطغى هذه الحالة العبثية من المشاغبة المسرحية على جدية مهمة المبعوث الدولي، ثم إلى إعلان إخفاق الحل السياسي، وهذا ما يريده النظام الذي ابتعد من البداية عن الحلول السياسية التي كان بوسعها أن تجنب سوريا كل ما حدث من دمار ومجازر. فهو يخشى أن يقوده الحل السياسي إلى انتهاء تفرده بالسلطة، ونهاية سلطته المطلقة التي تجعله قادراً على خنق الشعب حين يريد، دون أن يملك أحد حق الاعتراض على أحكامه مهما بدت خاطئة وجائرة. وفي هذا المشهد الفوضوي الذي يصر الآخرون على تهميش المفاوضات من خلاله، قام النظام بانتخابات برلمانية أكدت أنه غير معني بمسيرة التفاوض وبخطة القرار 2254، فهو ماض في سلطته غير الشرعية كأن شيئاً لم يكن. وعلى رغم أننا في المعارضة وأصدقاء سوريا من المجتمع الدولي غير معنيين بما يفعل النظام من ترتيبات خادعة في ادعاء الديمقراطية، فإن إقامة الانتخابات في غياب الشعب دليل استهتار كامل بالحالة المأساوية التي يعيشها ملايين السوريين الذين ينتظرون حلاً منذ خمس سنوات، ويتفاءلون أن يجدوا أملاً عبر مفاوضات جنيف. لكن الأمل محال مع تعنت النظام الذي يرفض تنفيذ قرار مجلس الأمن، ويرفض تشكيل هيئة حكم انتقالي، والطريف أن أحد أعوان النظام وصف هيئة الحكم بأنها انقلاب، متجاهلاً وجود ثورة هي أول انقلاب حقيقي على نظام حكم في سوريا دفع الشعب فيها مليون ضحية من أبنائه، وتعرض مئات الآلاف منهم للسجن والاعتقال والموت تحت التعذيب كي يخلص من الظلم ويتحرر من العبودية. ولم تشهد البشرية في تاريخها الحديث شعباً يهاجر من وطنه بهذا الحجم الذي يفوق اثني عشر مليون مهاجر ونازح، هرباً من نظام يلاحقه بالبراميل المتفجرة وبالصواريخ، ويستقدم جيوشاً من روسيا وإيران ومليشيات متنوعة كي يقتل شعبه عقاباً له، لأنه تجرأ وطلب الحرية والكرامة. لقد بدأت المفاوضات في جنيف وهي تحمل بذرة نهاية أخرى مريرة، لأن روسيا ما تزال تصر على استمرار المأساة، وهي تعرف أنه لا حل للقضية إلا برحيل الأسد وأركانه. وقد قبلت المعارضة أن يشارك في هيئة الحكم من لم يرتكبوا جرائم من بنية النظام، وهذا تنازل كبير كان دافعه الأساسي هو الحرص على الدم السوري وعلى إنهاء تصاعد الفاجعة الكبرى، والخوف على سوريا من التقسيم والتمزق، والإسراع في محاربة الإرهاب وإخراج كل المقاتلين الغرباء من سوريا. لكن الدول الداعمة للنظام مصرة على الدفاع عن بقاء من دمروا سوريا ومن قتلوا شعبها وشردوه، ومصرة على إذلال هذا الشعب وإعادته إلى بيت الطاعة والخضوع، وهي تعلم أن هذا محال، وأن دونه أكثر من مليون ضحية أخرى، لكنها غير آبهة لذلك، فهي تدرب قواتها بأجساد السوريين وأرواحهم. وأما إيران فهي مستعدة أن تقتل الشعب السوري كله لقاء أن تبقى مسيطرة على سوريا، كما تسيطر على العراق، وهي تخطط لقضم بلاد العرب، مسكونة بحقد طائفي تاريخي لم ينفع في إطفاء جذوته كل ما بذل العرب من مودة ورحابة وحرص على حسن الجوار. وقد لبينا الدعوة إلى الجولة الراهنة في جنيف، على رغم معرفتنا السابقة بعقم المحاولة، فإننا لا نريد إغلاق باب الحوار والتوقف عن متابعة الحل السياسي، ونحن ندرك أن المجتمع الدولي لن يتحمل مزيداً من هدر الوقت ومن هدر الدماء، فلابد له من مراجعة حاسمة لرؤية نهاية لهذه القضية التي تشغل العالم، وتوشك أن تتحول إلى حروب مدمرة لا نهاية لها في المنطقة كلها. ومع أن دي مستورا أعلن أن هذه الجولة ستناقش القضية الجوهرية (هيئة حكم انتقالية ذات مصداقية) لكن الموقف الروسي لا يزال يقف عائقاً أمام تنفيذ القرار الدولي الذي وقعته روسيا ذاتها، وهي تعلم أن الحديث عن توسيع الوفد وعن تشكيل حكومة وحدة وطنية تقدم أوراق اعتمادها للأسد ذاته، ولو في المرحلة الانتقالية، هو مضيعة للوقت ومنح فرص أكبر للنظام كي يرتب ما تهدم من بنيانه، وإغلاق لأبواب الأمل أمام الشعب النازح المتربص في المخيمات، وقد أصبحت معاناته حديث البشرية. إن الخلاص من الإرهاب يقتضي خلاصاً من أسبابه، ولا يغيب عن العالم كله أن النظام استقدم الإرهاب كي يغطي على قضية الشعب الثائر ضد الاستبداد، وتجاهل هذه الحقيقة سيجعل الإرهاب يبقى ويتمدد، وقد آن أن يواجه العالم الحقيقة بدوافع إنسانية، وأن يعترف بحق الشعب السوري في الانتقال الكامل إلى دولة مدنية ديمقراطية.