الهند تولي أهمية خاصة للأمن النووي بأطر مؤسساتية متخصصة، وبالتعاون مع الوكالة التنظيمية المستقلة، والقوة العاملة المتدربة والمتخصصة في هذا المجال أثبتت مشاركة رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» في قمة الأمن النووي، التي التأمت في واشنطن هذا الأسبوع، أن الهند توّاقة للعب دور قيادي في موضوع الأمن النووي، الذي يعد واحداً من أكثر القضايا التي تواجه العالم خطورة. وبالنظر إلى جهود باكستان للمنافسة في التسلح النووي، وباعتبارها جارة تهدد الأمن النووي، فلقد آثرت الهند الظهور أمام العالم كقوة نووية تتحلى بالمسؤولية وتنحو باتجاه التركيز على الأمن النووي، على الرغم من عملها الدؤوب على تطوير مصادر طاقتها النووية، من أجل الدفع بمعدل التنمية وتأمين الكهرباء لكل مواطنيها. ولا يوجد إلا القليل من الشك في أن قمة واشنطن كانت فرصة طيبة لإبراز الجهود التي تبذلها الهند كقوة عالمية، ولتوجيه إشارة إلى العالم بأنها راغبة في لعب دور أكثر أهمية في العلاقات الدولية. وخلال انعقاد فعاليات القمة النووية، أعلن «مودي» عن حزمة جديدة من الإجراءات المتعلقة بالأمن النووي وحظر انتشار الأسلحة النووية. وقدم أيضاً نبذة مختصرة عن القصور الذي اعترى الإجراءات المتبعة للتصدي لتهريب المواد النووية وتجنب أخطار الإرهاب النووي. وشدّد على التذكير بمدى نظافة السجل الهندي في مجال حماية وحراسة الأصول النووية. وخلال هذه القمة، التي شاركت فيها 50 دولة، أعلن رئيس الوزراء الهندي أن الهند ستواصل دعمها للدور الذي تضطلع به الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال الحفاظ على الأمن النووي العالمي عن طريق المساهمة بمليون دولار في صندوق الأمن النووي. ووعد أيضاً بإنشاء ورشة عمل مشتركة مع خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتخصصين في خدمات الحماية الجسدية من الإشعاعات النووية على المستوى العالمي. ومن جهة أخرى، قررت الهند المشاركة في المبادرة التي أطلقتها الوكالة لتحقيق التكامل والتعاون في مجال الأمن النووي، ولقد شاركت الهند في مجموعة الاتصال المتخصصة بالأمن النووي في فيينا، والتي تنشط في حقول ذات أهمية خاصة لمنع تهريب المواد النووية والمشاركة بأهم الإجراءات المعتمدة ضمن ما يسمى «مراكز التميز». وستستضيف أيضاً اجتماع «المبادرة العالمية لمكافحة الإرهاب النووي» عام 2017. كما تم إعداد الخطط لتنظيم مؤتمر دولي لمكافحة تهريب المواد النووية في الهند بالتعاون مع منظمة الشرطة الدولية «الإنتربول». وتولي الهند أهمية خاصة للأمن النووي من خلال الأطر المؤسساتية المتخصصة، وبالتعاون مع الوكالة التنظيمية المستقلة، والقوة العاملة المتدربة والمتخصصة في هذا المجال. ولقد انطوى تحقيق الطموح الهندي للعب دور أكبر على المستوى العالمي في مجال الأمن النووي على ما يشبه المعركة الحقيقية. وذلك لأن «مجموعة الدعم النووية» - وهي الكيان الإداري الذي ينظم التجارة العالمية بالمواد والتجهيزات النووية - كانت قد أوعزت برفع الحظر المفروض على الهند عام 2008 وأعادت الهند إلى المجتمع النووي. وحدث ذلك بعد أن وقعت الولايات المتحدة والهند على «اتفاقية نووية مدنية» تنهي العقوبات المفروضة على الهند، بعد أن أجرت نيودلهي سلسلة تجارب نووية عام 1998. ولقد فتحت الاتفاقية الهندية- الأميركية الأسواق النووية العالمية أمام الهند، لكن تنفيذ بنودها على النحو الشامل لا يزال يواجه بعض الصعوبات التقنية، مثل قانون المسؤولية النووية الصارمة النافذ في الهند، وهو يعني أن الهند تفضل تطوير قدراتها النووية في المجالين المدني والعسكرية بجهودها الذاتية منذ تطبيق العقوبات النووية عليها. والآن، تنفذ الهند عدداً كبيراً من الاتفاقيات مع عشرات الدول، وهي تحاول تنويع مصادر طاقتها لما بعد عصر الفحم الملوث للبيئة. ويذكر أن الهند عضو في العديد من المنظمات الدولية، وهي إحدى دول مجموعة «البريكس» التي تضم اقتصادات صاعدة لدول البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا. وشهدت العلاقات بين الهند والولايات المتحدة تطوراً ملحوظاً بعد اتضاح عناصر المصالح المشتركة بين البلدين، وخاصة بسبب صعود الصين. وخلال السنتين الماضيتين، شهدت علاقات الهند مع جميع الدول الكبرى، بما فيها روسيا واليابان وبريطانيا وألمانيا، تحسناً كبيراً على خلفية النمو الاقتصادي المبهر الذي حققته. ولا يوجد إلا القليل من الشك في أن دور الهند في السياسة الدولية سيتطور مع نمو اقتصادها. وبناء على هذه الحقائق، يكون من المهم جداً للهند أن تظهر أمام العالم مساهمتها الفعالة في المنتديات المهمة مثل قمة الأمن النووي. د. ذِكرُ الرحمن* *مدير مركز الدراسات الإسلامية-نيودلهي