هناك توافق عام على أن العالم يتغير، لكن هل عبر «انتقال القوة» من الغرب إلى الشرق؟ أم من خلال تبدل مكانة القوة العظمى بين الولايات المتحدة الأميركية والصين؟ أم عن طريق الانتقال من حقبة الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية أو التعددية القطبية أو حتى اللاقطبية؟ يعتقد «باري بوزان» (الباحث المعروف في حقل العلاقات الدولية والأستاذ الفخري بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية) وزميله الباحث المعروف أيضاً «جورج لوسون»، في كتابهما الذي نعرضه هنا، «الرأسمالية والنظام العالمي الناشئ»، أن مشكلة العديد من التحليلات في هذا الخصوص كونها إما أن تقدم رواية ضعيفة حول كيفية ظهور النظام العالمي المعاصر، أو أنها تتجاهل هذه العملية تماماً، مما جعل معظمها يبدو مفرطاً في تبسيط النظام العالمي الناشئ. لذلك يعتقد المؤلفان أن التغيرات التي تربك فهم المعلقين المعاصرين تعود بجذورها إلى ظهور الحداثة خلال «القرن التاسع عشر الممتد». ويعنيان هنا: تشكيلة الرأسمالية الصناعية، والدول العقلانية البيروقراطية، والأيديولوجيات الجديدة المعبرة عن أفكار التقدم.. وهي تشكل الجذور أو العوامل التي دفعت نحو تحول عالمي، أدى بدوره إلى صعود الغرب وبناء اقتصاد سياسي عالمي على درجة عالية من عدم المساواة. وإذا كان ظهور «مركز» للدول «الحديثة» يعد بمثابة نصف قصة الحداثة، فإن النصف الآخر هو تكثيف التفاعل بين المجتمعات. وكما يوضح الكتاب فإن الحداثة تمتلك نزعة مزدوجة توحد الكوكب من خلال تكثيف التفاعلات السياسية والاقتصادية والثقافية، وفي الوقت نفسه تفككه عن طريق التناقضات الكبرى في القوة والمكانة، وعلى خلفية الانقسامات الأيديولوجية الجديدة. ومن هنا كانت النتيجة ظهور عولمة مركزية، أي نظام دولي عالمي النطاق، وإن كان يتركز في الغرب. لقد تمثل هذا النظام الدولي بعولمة مركزية منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث استشعرت مجموعة صغيرة نسبياً من دول المركز إمكانياتها للسيطرة على مناطق الهامش، رغم قضائها جزءاً كبيراً من القرن العشرين في خوض الصراعات الجيوسياسية حول أي نموذج للاقتصاد السياسي هو الأفضل للبيئة الحديثة. لكن خصوصية اللامساواة أو فجوة القوة التي كانت حجر الأساس لنظام دولي قائم على بنية «المركز والهامش»، بدأت تتلاشى مفسحة المجال أمام «صعود البقية»، تمهيداً لظهور نظام لا مركزي ناشئ. أو بمعنى آخر فإن العالم اليوم يمر بتحول من عولمة تتركز في الغرب إلى عولمة لا مركزية. لقد أوشك عصر العولمة المركزية على الانتهاء، ونتيجة لذلك أصبحت فترة الهيمنة الغربية على مشارف الاضمحلال، وهو التطور الذي -كما يعتقد المؤلفان- يوفر الخلفية للاضطراب العالمي المعاصر. بيد أن الكتاب ينبه إلى أن ظهور العولمة اللامركزية لا يعني أن أية دولة ستكون قادرة على أن تحل محل الولايات المتحدة الأميركية كقوة عظمى، إذ لن تستطيع أي دولة اكتساب القوة النسبية الكافية للسيطرة على النظام برمته، وإنما سيحتوي عالم العولمة غير المركزية على العديد من القوى الكبيرة والإقليمية، ولن تكون هناك أي قوى عظمى. النظام العالمي الناشئ إذن هو نظام من العولمة اللامركزية، تتمثل ديناميته الرئيسية في تفاعل الأشكال المتنافسة من الحكم الرأسمالي. ورغم التحديات التي تواجهها هذه الأشكال، فلا يبدو أن أياً منها يتجه نحو الانقراض في الأجل القريب. محمد ولد المنى الكتاب: الرأسمالية والنظام العالمي الناشئ المؤلفان: باري بوزان وجورج لوسون الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2015