«جون غراي» فيلسوف بريطاني معروف، دخل مؤخراً في الجدل الفكري والسياسي حول مقتضيات مواجهة خطر الإرهاب على تركيبة المجتمعات الديمقراطية التعددية والمفتوحة، من خلال مقالة مطولة في أسبوعية «نيو ستسمان» (3 ديسمبر 2015)، معتبراً أن الأحداث الأخيرة التي هزت أوروبا تفرض على الدولة التركيز على وظيفتها البدائية الأولى التي هي ضمان أمن مواطنيها، وعياً بأن الحريات التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية ليست مطلقات مجردة بل تجتاج لقوة الدولة. «غراي» يذهب إلى أن الإيديولوجيات التقدمية كرست وهماً سائداً بأن المجتمع المدني قادر بذاته على حماية حرية المواطن، في حين أن الدولة بقوتها السيادية وامتلاكها لأدوات العنف والإكراه هي وحدها القادرة على تأمين المجتمع. ومن هنا يعتبر «غراي» أن الخطاب الذي يكرر أن الحرية تتقدم نوعياً وتدريجياً في العالم أفضى إلى إضعاف المجتمعات الغربية التي لم تعد واعية بهشاشتها. والمفارقة القائمة هنا تتلخص في أن دول الغرب عندما شجعت الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية في العالم عرضت سلم مجتمعاتها للتهديد المتزايد. «غراي» يخلص من هذه الملاحظات إلى ضرورة العودة للفيلسوف الإنجليزي «توماس هوبز» الذي أدرك في بدايات عصر الأنوار أن الدولة هي الشرط الضروري الذي لا غنى عنه لإقامة نظام اجتماعي مدني، ولذا توجب التنازل لها عن حق الإرادة الفردية المستقلة، وحق لها احتكار شرعية العنف وكامل السيادة من أجل تجنيب البشر أخطر ما يمكن أن يواجههم وهو الفتنة الأهلية والصراع الديني والطائفي. فبدون هذا «الوحش المصطنع» (اللفياتان) الذي ينقاد له الناس طواعية لا فن ولا آداب ولا إبداع ولا خيار سوى الموت العنيف الذي يقضي سلباً على مبدأ الحرية نفسه. ومع أن الفكر الليبرالي تجاوز هوبز في نزعته التسلطية، إلا أنه مرغم على العودة إليه بالإقرار بأن ما يهدد اليوم حرية المواطن ليس قوة الدولة وتحكمها وإنما ضعفها وتقلص قدراتها السيادية. والمثال الذي يقدمه «غراي» للتدليل على أطروحته هو مخاطر الهجرة القادمة من بلدان الشرق الأوسط (سوريا والعراق وليبيا..) وهي بلدان ساهم الغرب في تدميرها دون النجاح في إعادة بنائها، فلم تغنم هذه الدول الحرية ولم تذق فوائد انهيار الأنظمة التسلطية وانتقل الخطر إلى قلب المجتمعات الأوروبية. والشر الأكبر في المعادلة حسب «غراي» هو نشوء دولة «داعش» الإرهابية على أنقاض البلدان المنهارة التي كانت تحكمها أنظمة استبدادية لائكية، وهكذا أصبح الخيار اليوم منحصراً بين الإبقاء على نظام ديكتاتوري مثل نظام الأسد في سوريا مع إمكانية البقاء على الحد الأدنى من وجود الدولة الوطنية، وتفكك الكيان السوري إلى جماعات «جهادية» مسلحة في بلد ممزق لا حرية فيه ولا استقرار. «غراي» يدافع بقوة عن السياسات الأمنية الرقابية التي اعتمدتها الدول الأوروبية بعد الأحداث الأخيرة، معتبراً أنه من المغالطات نفي الاستقطاب الحقيقي القائم بين مقتضيات الحربة ومتطلبات الأمن، معتبراً أن غياب الأمن ينعكس حتماً على جوانب أخرى جوهرية من الحرية، فالحرية متعددة الأوجه والمناحي وليست معيارًا موحداً مطلقاً، والسياسة تتمثل في عملية انتقاء واختبار بين أنماط متنوعة من الحرية من أجل ضمان العيش المشترك. فما دامت السنة الغالبة على المجتمعات الحديثة هي التنوع عقدياً وفكرياً وسياسياً، فلابد إذن من سياسات أمن حازمة لحماية هذا الاختلاف والتعدد الذي هو السياق الفعلي والموضوعي للحرية. بيد أن لأطروحة هوبز حدودها حسب «غراي» الذي يرى أن مؤلف «اللفياتان» لم يدرك أن البشر لا يختارون دوماً الأمن مقابل الحرية العنيفة بل قد يختارون الموت والقتل لإعطاء معنى لحياتهم. إن هوبز من هذا المنظور لا يمكن أن يحمينا من أفكار مجموعات متطرفة تحول الدين إلى أساطير تدميرية من قبيل إقامة الخلافة الكونية الشاملة، ولذا فالحل الأوحد الممكن هو تقوية وسائل دفاعنا، على أن نتعود على أن «للعيش المطمئن المنسجم» ثمناً لابد من دفعه. أردنا من تلخيص أطروحة «غراي» التنبيه إلى حجم التأثير الفكري العميق الذي خلفته أحداث الإرهاب «الداعشي» على وعي النخب الأوروبية التي تتنازعها اليوم مقاربتان رئيستان تلتقيان في الجوهر: الاتجاه اليميني المتطرف الذي يتبنى خطاب الهوية المغلقة بمضامينه الثقافية والقومية المتعصبة، والاتجاه اليساري الراديكالي الذي يبرر ضمنياً استراتيجيات العنف المتبادل (الإرهابية والأمنية) من منطلق رفض الصياغة القانونية السلمية للعقد المدني الذي هو مكسب العصور الليبرالية الحديثة.