منذ وقت ليس ببعيد، كان «عدد مناصب العمل» الجديدة التي يتم استحداثها الشهر السابق، يعتبر أهم معلومة منفردة في قائمة البيانات المفصلة التي تصدر عن مكتب العمل والإحصاء التابع للولايات المتحدة في أول يوم جمعة من كل شهر، وما لبث الاهتمام أن تحول نحو عامل آخر هو «نمو الأجور»، بعد أن بات من الواضح أن الاقتصاد قد تمكن من تصحيح واقع قطاع العمالة والتوظيف. والآن، يجب أن يتخذ هذان المقياسان معاً (عدد المناصب ونمو الأجور)، موقعهما المهم في مجال قياس مدى مشاركة القوى العاملة في الاقتصاد، والنسبة بين العمالة وعدد السكان. وبعد أن سجل المقياسان زيادة مطردة خلال عدة عقود، عادا إلى الانخفاض، نتيجة الركود الذي نتج عن الأزمة المالية العالمية لعام 2008. وحتى العام الماضي، بقي المقياسان عند قرب مستوياتهما المنخفضة منذ عدة عقود. وبلغت نسبة مشاركة القوى العاملة المدنية مستوى انخفاضها التاريخي غير المسبوق في الوقت الراهن، حيث وصلت إلى 63,4 في المئة في شهر سبتمبر من عام 2015، أي بعد سبع سنوات كاملة من أزمة عدم الاستقرار المالي التي سادت العالم. ويمكن مقارنة هذه النسبة بتلك التي سجلت بداية عام 2008، والتي بلغت 66,2 في المئة. ويشير أحدث البيانات التي تضمنها تقرير الوظائف عن شهر فبراير الماضي إلى أن تلك النسبة استقرت عند مستوى 62,9 في المئة. وانخفضت النسبة بين العمالة وعدد السكان (لمن هم في سن 16 عاماً وما فوقه) من 62,9 في المئة في بداية عام 2008، إلى أخفض مستوى لها عبر التاريخ، عندما بلغت 58,2 في المئة في شهر يناير 2011. ثم تحسنت بعد ذلك بشكل طفيف، بحيث بلغت 59,8 في المئة في شهر فبراير الماضي. ولا يتفق الاقتصاديون على تصور مشترك لأسباب هذه التحولات. ويفضل البعض منهم إرجاع الأمر إلى عوامل تركيبية متنوعة مثل عدد السكان والنتائج المترتبة على تكنولوجيا الابتكار والاختراع. ويرى آخرون أن قوى ذات طبيعة دورية لعبت دورها المحدد في هذا المجال. ويبدو أن من الصعب العثور على منفذ تحليلي يمكنه أن يحل مشكلة هذا الجدل المهم في وقت قريب. ونتيجة لذلك، ستكون البيانات بحد ذاتها عالية الأهمية. على أن التداعيات الكامنة في طريقة معالجة هذا الجدل ترتبط بحالة الاقتصاد الأميركي في المستقبل، وبالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية ذات العلاقة بالموضوع. كما أن لهذا الجدل علاقة بتقدير التحديات التي تواجه الخزينة الفيدرالية، وخاصة ما يتعلق منها بخليط «العوائد والتكاليف والمجازفات»، لأن البنك المركزي يواصل استخدام سياسة مالية غير تقليدية من أجل تنشيط الاقتصاد. وفي عالم يتصف بالمثالية والكمال، سنلاحظ الارتفاع المتواصل والثابت في كل من مؤشري «مشاركة القوى العاملة» و«النسبة بين العمالة وعدد السكان». ومن شأن ذلك أن يقوي آلة التنمية الاقتصادية، ويرفع من مستوى الثراء والازدهار الاقتصادي بشكل عام، وسيمكّن الخزينة الفيدرالية من مواصلة دعمها للاقتصاد على المدى القصير بطريقة تسمح بتحقيق نمو شامل، وتضمن تخفيض معدل التضخم. ويمكن لهذا التطور في طريقة تقديم البيانات أن يشكل مكوّناً ضرورياً في السيناريو الذي سيساعد على التحقق من صحة الأسعار في سوق الأسهم والسندات. وبالطبع، لا يمكن توضيح هذه القضايا من مجرد النظر في تقرير العمالة عن شهر مارس، والذي سيتم نشره يوم الجمعة. لأننا سنحتاج أيضاً لسلسلة من الملاحظات المبنية على البيانات الشهرية، لكن هذين المقياسين لابد أن يقفزا إلى واجهة التقارير التي تتناول التقديرات الشهرية المتعلقة بالوظائف المتاحة. محمد العريان رئيس المجلس العالمي للتنمية التابع للرئيس أوباما ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»