«إخوان مسلمين» و«قاعدة» و«داعش» و«نصرة» و«حزب الله» وجماعات وتنظيمات أخرى ومفاهيم تنظيمية تتبناها الدول رسمياً كمفاهيم وأغلب الشعب جزء من ذلك التنظيم، بغض النظر عن المذهب في قائمة طويلة من التحزب الأعمى لفصيل معين أو مذهب معين، أو مشرب فكري ديني يصر على أنه على حق وصواب لا يقبل القسمة على اثنين، وبأن طريقته هي النور الذي يضيء ظلمات فكر الآخرين متى ما قبلوه واتبعوه، ومشكلتي مع التنظيمات ليس أنها تسلب حقي في التفكير والمراجعة والنقد والتأمل وتفرض على عقلي إطاراً معيناً لتجعل طرحها حتمية عقدية، ولكن المشكلة الأكبر أنها تكفر بصورة مباشرة أو ضمنية كل من يخرج عن ذلك المسار أو الإطار العام، وتسلب حرية الإنسان وحقه في العيش الآمن والاختيار والاختلاف. وعندما تقول لهم إنك مسلم موحد ولا ترتكب الكبائر، وإنك تقوم بكامل واجباتك الدينية المنصوص عليها في القرآن تجاه ربك وتحترم وتحفظ حقوق أخيك الإنسان بغض النظر عن دينه وجنسه، فالمعاملة بالحسنى والبعد عن غلظة القلب هي منهجك في الحياة، يقولون لك إن ذلك لا يعنيه ما دام لا تتبع طريقة منظريهم في فهم وتفسير الدين، ويقول لك إسلامك ناقص وأنت على ضلالة ولا تعلم بذلك، ويشيرون لك بمراجع لا حصر لها، والأدلة التي يعتقدون بأنها حقائق مطلقة وعقولهم لا تقبل النسبية، وتريد أن تكون رؤيتهم هي الفاصل بين الحق والباطل. إنه منطق المنظر التنظيمي، لكن في هذه الحالة، أي عندما يقول لك أحد هذا الكلام، فينبغي أن تقول له: أنت لست معيار مدى صحة ديني وقربي من الله من عدمه، وفهمك ليس ما سأحاسب عليه يوم القيامة، ولو كان الأمر كذلك، فأولى أن يأمر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بتدوين ما يعتبر اليوم التشكيك في بعضه أو الجرح والتعديل عليه خروجاً عن الملة، فهم يريدون إسلاماً قومياً يخص جنساً وثقافة، ونحن نريد خطاباً يخص الإنسانية ككل ويخاطبها بخطاب كوني. ونقول لهم ما ألهمه الله لشيوخنا وعلمائنا الكرام من علم نستفيد منه اليوم في حياتنا اليومية، ويقرب فهمنا لنص المقدس بما هو تراث روحي لا تفريط فيه وقيمة حقيقية يعتز بها كل مسلم، ولكن متى ما قدسها وجعلها مكملة للقرآن أو مسلمات بدونها الإسلام دين غير مكتمل خرج عن النص تماماً، ومن هذا المنطلق تم اختراق وحدة رسالة الإسلام، وفتح الباب على مصراعيه للتنظيمات لركوب موجة «اختلاف أمتي رحمة»، فماذا نقول على سبيل المثال في من درس الدين وتخصص في كل العلوم الشرعية وبرع بها وأصبح حجة، ثم انضم أو أسس تنظيم يقول من خلاله: ما أعتقد به هو الإسلام الصحيح وتبعه الملايين، هل سنقول حينها إنه جاهل ولا يفقه في الدين؟ لا تمنحوا أحداً حق امتلاك حصري لفهم الدين، فالهداية بيد الله وحده لمن يشاء، أما ما يدخلنا الجنة من عدمه ليس لمخلوق القول الفصل فيه، وشروطه موجودة في نصوص صريحة في القرآن، أو أن يكون رسولنا الكريم جالساً أمامنا والوحي يوحى إليه ويخبرنا بما يوحى عليه. وفوق كل ذلك رحمة الله، فنحن من أوجد التنظيمات والتطرف كمسلمين من خلال تبني مفاهيم هي متطرفة في الأساس، ولذلك كل تنظيم يؤمن باستخدام العنف وفرض النسخة الخاصة به في الدين يسعى إلى الانقضاض على السلطة، في ظل توفر الظروف الملائمة، وهو رافض لمفهوم دولة ويقسم المسلمين لفئات ويقسم العالم لـ«حزب الله» و«حزب الشيطان»، فالشعور السائد بين أعضاء التنظيمات هو الاغتراب وفكر التواطؤ والمؤامرة على الإسلام. فبالنسبة لهم المسلمون مرتدون أو على معصية كبرى ويعيشون عيشة الجاهلية وينتظر توبتهم توبة نصوحة بتبني فكر التنظيم ويعبرون القوانين والأنظمة والدساتير التي تحكم المجتمعات أصنام يعبدها المسلمون، والحاكم المسلم هو مسلم بالاسم فقط، ولكنه- بالنسبة لهم- كافر يحكم مجتمعاً كافراً، كما يصرون أن التسوية أمر مستحيل بين المسلمين وغير المسلمين، وأن هناك مسلماً حقيقياً وغير حقيقي، وبالتالي يحل لهم سفك دم المسلم كونه مرتداً في تقديرهم، ولذلك نقول نحن من فتح باب جهنم على أنفسنا، ومن أعطى لتلك الفئة المخرج لجعل حياة الإنسان لا قيمة لها؟ وعندما رفعنا مستوى قول وكتب ورأي العلماء على مر القرون للتقديس وجعلنا كتبهم في مرتبة كلام الوحي، فكيف نستغرب من الإرهاب و«داعش» و«حزب الله» و«القاعدة»؟