مواصلة لموضوع مقاليّ في الأسبوعين الماضيين، هنا في «الاتحاد»، في نقد «مبدأ أوباما» الأمني، أريد اليوم أن أتطرق إلى الحصاد المر الذي يجنيه الحلفاء، وخاصة نحن في المنطقة، وما فعل ذلك الحصاد الأوبامي لمنطقتنا، وقد أشرت إلى ما سيق من نقد لاذع وجّهه مسؤولون خليجيون سابقون وباحثون وكتاب خليجيون وعرب، لـ«مبدأ أوباما» الذي يقلق الحلفاء، ويُريح ويُسرُّ الخصوم والأعداء. وسأتوقف في هذا المقال عند أربعة تطورات تفاعلت في الأسبوع الماضي، لتثبت أننا أمام فراغ استراتيجي لا يساعد على تحقيق الأمن وحماية المصالح العليا لدولنا. وهي نتيجة حتمية للتراجع والانكفاء الأميركي. التطور الأول، تفجيرات بروكسل الانتحارية الخطيرة التي لم تضرب عاصمة بلجيكا فقط، بل ضربت أيضاً عاصمة الاتحاد الأوروبي كله والمقر الرئيسي لحلف «الناتو»، وبذلك يكون «داعش» الذي ادعى مسؤوليته عما سماه «غزوة بروكسل» بضربه لمطار بروكسل الحيوي ومحطة مترو وسط العاصمة قرب مباني الاتحاد الأوروبي، قد استهدف ضرب قوة أوروبا الناعمة والصلبة معاً، وهو تهديد مباشر للأمن الأوروبي في اختراق أمني قاد لتقديم وزيري الداخلية والعدل استقالتيهما. ولكن المأخذ الكبير هو على تردد المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها الأوروبيين و«الناتو»، في التعامل بجدية وحزم مع المأساة السورية التي فجرت الشرق الأوسط، وأضعفت النظام الإقليمي العربي ومؤسساته، وأغرقت أوروبا بالإرهاب وبأكبر موجة لاجئين، وكشفت زيف محاضرات أوروبا عن حقوق الإنسان، لا بل قسمت تداعيات الأزمة السورية أوروبا نفسها، وبدأ التشكيك في جدوى الحدود المفتوحة واتفاقية «شنجن» لحرية تنقل الأفراد والبضائع. ولو أسقطت أوروبا أو دعمت إسقاط الأسد مبكراً قبل ظهور التطرف و«داعش» لما كنا نشهد هذه المأساة وهذه الفوضى، ولحافظنا على مئات الآلاف من الأرواح البريئة. والمؤسف هو مراوحة الفشل في مفاوضات «جنيف-3» العبثية، التي تأجلت مجدداً لأسبوعين آخرين! بعدما تعنت وفد النظام ورفض مناقشة مستقبل الأسد واعتبره خطاً أحمر، ووصف جميع فصائل المعارضة المسلحة بأنها فصائل إرهابية بغض النظر عن مسمياتها! ويبدو أن تفويت الفرص مستمر، وتؤكد روسيا أن الطرف الأميركي يتفق معها بأن الوقت غير ملائم لمناقشة مستقبل الأسد! وماذا عن الفترة الانتقالية إذن! وهكذا يستمر «مبدأ أوباما» أيضاً في عرقلة الحل السياسي، وحتى العسكري، في سوريا! والتطور الثاني، بعد نجاح القوات الأميركية في اغتيال «وزيري» حرب ومالية تنظيم «داعش»، بعمليات خاصة هذا الشهر، واقتراح وزير الدفاع الأميركي إنشاء، ومن ثم عقد اجتماع لمجلس عسكري لوزراء دفاع دول مجلس التعاون ووزير الدفاع الأميركي في 20 أبريل المقبل، على هامش القمة التشاورية الخليجية في الرياض التي سيشارك فيها لأول مرة رئيس أميركي، بحضور الرئيس أوباما كضيف على القمة، وهي زيارة وداعية للرئيس الأميركي، وذلك لتقوية دفاعات دول مجلس التعاون وتعزيز العمل ضد تنظيم «داعش». ولكن ماذا عسى أوباما أن يقدم بعدما كشف مبدأه ورؤيته ونظرته للحلفاء الراكبين بالمجان؟! والتطور الثالث، صادف الأسبوع الماضي الذكرى الأولى لعاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن، وهي ذكرى مهمة تؤكد القرار الخليجي بقيادة سعودية بأن علينا تغيير قواعد اللعبة والدفاع عن مصالحنا بأنفسنا، وعدم التعويل في أمننا على الأمن المستورد الذي قد لا يتقاطع بالضرورة مع مصالحنا. وما كشفته عاصفة الحزم بعد عام هو القيادة الخليجية للمشروع العربي والنظام الإقليمي العربي، وأن قرار الاستقلال عن الإرادة الدولية والعمل الجماعي وتشكيل تحالف عربي وقيادته، هو الرد المطلوب لحفظ أمننا. وأن هناك تصميماً واضحاً على بلورة مشروع لردع واحتواء القوى المعادية، سواء كانت دولاً كإيران وغيرها، أو كانت تنظيمات ومليشيات من غير الدول كـ«القاعدة» و«داعش» و«حزب الله»، لردعها ومنعها من تهديد أمننا. وإلا لكان الحوثيون سيطروا على اليمن وحولوه إلى لبنان آخر، ولكان «الحرس الثوري» الإيراني على الحدود الجنوبية للسعودية! وفي ذلك رسائل واضحة لإيران وحلفائها ولـ«داعش» و«حزب الله» ومليشيات إيران، التي باتت معها محاصرة ومعزولة خليجياً وعربياً، بعد قطع وتخفيض العلاقات واستدعاء سفراء نصف الدول العربية من طهران. في أكبر عزلة تواجهها منذ الثورة. وكذلك محاصرة وعزل وتصنيف «حزب الله» كمنظمة إرهابية خليجياً وعربياً. وعزل وحصار وتقهقر الحوثيين بعد عام من عاصفة الحزم. والتطور الرابع زيارة أوباما لكوبا، الخصم الشيوعي، ليحقق بالقوة الناعمة ما عجزت أميركا عن تحقيقه بالقوة العسكرية، ولدفن «آخر بقايا الحرب الباردة»! كما قال أوباما، في مؤشر انفتاح على الخصوم والأعداء! وهذا أيضاً أحد مكونات فكر «مبدأ أوباما»، وهو ما قد نشهده مع إيران قبل رحيل أوباما في يناير المقبل! والراهن أن هذا الحصاد المر لـ«مبدأ أوباما» يريح ويسعد الخصوم كروسيا وإيران وكوريا الشمالية، الذين يرون فيه استقالة من الزعامة الدولية وضعفاً يمكن استغلاله! وفي المقابل يقلق ويزعج الحلفاء الخليجيين والأوروبيين، وغيرهم، حيث يستمرون في تسديد فواتير مبدأ أوباما بالمزيد من الدماء والفوضى! ------------ رئيس قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت