قبل أشهر التقيت المبعوث الأممي إلى اليمن الديبلوماسي الموريتاني اللبق «إسماعيل ولد الشيخ أحمد»، كان وقتها شديد الإحباط من مآلات الوضع اليمني الذي بدا عصياً على الحل وإن ظل محتفظاً بتفاؤل الشخصية الصحراوية الصلبة الذي زاده تجذراً خبرته الطويلة في الديبلوماسية الدولية. وبالنظر لقرب المجتمعين اليمني والموريتاني إلى حد التماهي أحياناً، كان الرجل يدرك عمق وصعوبة المعادلة القبلية وأثرها على التركيبة الهشة للدولة، وواعياً في الآن نفسه بأن هذه المعادلة هي من مداخل الحل في الصراع الأهلي، لأن القبيلة كما عرفها علماء الأنثربولوجيا المعاصرون تتحدد وفق ازدواجية الانشطار والانصهار. حمل إلينا ولد الشيخ أحمد بشارة المصالحة المرتقبة في اليمن بعد قبول المليشيات المتمردة الانضواء في الشرعية واعتماد مبدأ الحوار الوطني ورفض العنف وتسليم هياكل السلطة إلى الحكومة المعترف بها دولياً في أفق حل شامل قد يتحقق في خطواته التنفيذية في إبريل القادم. لماذا الحديث هنا عن دور القبيلة في مسار المصالحة والتسوية السلمية؟ لسببين أساسيين لا ينحصران في الحالة اليمنية، بل ينسحبان على كل الساحات العربية الملتهبة التي تلتقي في طبيعة التركيبة القبلية، وهما: دور وتأثير المعطى العشائري في الكيانات التي تنهار فيها الدولة المركزية ومنزلته في بناء نسق اجتماعي قادر على احتواء وتجاوز الهويات الطائفية التي هي العامل الأساسي في الفتن والحروب الأهلية. كثيراً ما حمل علماء السياسة والاجتماع البنيات القبلية مسؤولية إضعاف الدول وتفكيكها، انسياقاً وراء مصادرة التعارض الجذري بين القبيلة والدولة الحديثة من حيث هي بناء وطني مركزي وتطور نوعي في نمط البناء الاجتماعي للقبيلة. ومع أن هذه المقاربة المتأصلة في العلوم الاجتماعية الحديثة تصدق على طبيعة المجتمعات الأوروبية التي شهدت تحولات الثورة التقنية الصناعية، فإنها لا تصدق على جل المجتمعات العربية التي شكلت فيها القبيلة مرتكز النظام المجتمعي والإطار التصوري لتفكيك العلاقات الاجتماعية، وتداخلت مع الهياكل المركزية للسلطة في محورين أساسيين، محور الوسائط الإدماجية (أي دمج الفرد في منظومة جماعية مشتركة) ومحور الدعامة العمودية للحكم في تركيبته العسكرية والبيروقراطية. في هذه العلاقة المعقدة تشكل القبيلة في آن واحد نقطة ارتكاز الدولة في مجتمعات لم تتشكل فيها هويات وطنية صلبة وعماد المجتمع الأهلي في دوره الحاضن للفرد المدافع عنه في وجه توحش وهيمنة الدولة. ما يلاحظ هنا هو أن هذه التوازنات المرنة والخصبة تضمن استقرار الدولة وتماسك المجتمع وتحمي في الغالب المجتمعات من الاستبداد والتعسف، لكنها تشل وتفقد فاعليتها في ظل الأنظمة الأيديولوجية التحديثية التي تسعى لتقويض الفاعلية الإماجية الأهلية للقبيلة باسم الأفكار والقيم الثورية، بينما تقوي الوظيفة الأمنية العسكرية للقبيلة وتحولها إلى مرتكز للنظام السياسي مع تقويض التوازنات الطبيعية للتركيبة القبلية لمصلحة المليشيات العشائرية العائلية. هذا التحول هو الذي حدث في العراق وسوريا في ظل النظام البعثي وحدث في ليبيا أيام العهد الجماهيري، بينما أدار الرئيس اليمني السابق «علي عبدالله صالح» التوازنات القبلية بمهارة في سنوات حكمه الأولى قبل أن يقوض المعطى الطائفي معادلة السلم الأهلي. لم تكن القبيلة في أي من البلدان العربية المذكورة ذات شحنة طائفية، وحتى في اليمن الذي شكلت فيه قبائل الشمال الزيدية عمود دولة الإمامة ظلت الزعامات القبلية دعامة للدولة بعد انهيار الإمامة قبل أن تهزمها المليشيات الحوثية التي هي النسخة الأيديولوجية الثورية من الزيدية الجديدة المدعومة إيرانياً، فانهارت الدولة والقبيلة معاً. الحالة نفسها حدثت في المجال السني العراقي السوري بسيطرة التنظيمات الإسلامية المتطرفة على التركيبة القبلية التي كانت الوعاء الحاضن للحركات الاحتجاجية ضد سياسات القمع والتمييز الطائفي، كما حدثت في ليبيا التي ظهرت فيها نفس التنظيمات المتطرفة المسلحة. ومن هنا نخلص إلى أن بداية الحل المطلوب للأزمات العربية الراهنة هي تحرير القبيلة من قبضة التنظيمات الأيديولوجية الدينية وتأهيلها لدور إيجابي في المصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة. في الرياض قابلت في فبراير الماضي أحد شيوخ القبائل اليمنية المهمة، حدثني عن الجهود الكبرى التي بذلها مع غيره من شيوخ القبائل اليمنية في احتضان المجتمع الأهلي بعد انهيار الدولة (بدعم سعودي خليجي)، معتبراً أن الزعامات القبلية مؤهلة وحدها لإعادة اللحمة للمجتمع اليمني المفكك، ولا تضارب بينها في المصالح، كما أنها واعية بأنها ليست بديلا عن الدولة بل تحتاج في استمرارية أدوارها الأهلية إلى دولة قوية متماسكة. ------------------- *أكاديمي موريتاني