في السنوات الأخيرة، كانت المحكمة العليا الأميركية غير محبذة لتطبيق القانون الأميركي في الخارج، حذراً من أن يستعدي ذلك الدول الأخرى، ويؤدي إلى تدخل محتمل في شؤون الآخرين. ولكن الحال مختلف إن كانت الدول الأجنبية هي التي تطلب من المحاكم الأميركية التدخل! وهذا ما يحدث في أوروبا فيما يتعلق بقضية «آر جي آر نابيسكو»، التي تم نظرها يوم الاثنين الماضي. فالدول الأوروبية المدعية في القضية الأساسية تريد من المحكمة العليا أن تطبق قانون الهيئات الفاسدة والمبتزة «ريكو» على مشروع العقاقير الذي وقعت حيثياته خارج الولايات المتحدة وتسبب في ضرر في أوروبا. وأساس حجتهم أن شركة «آر جي آر» شاركت في غسيل الأموال داخل الولايات المتحدة -وأنهم، أي حلفاء أميركا المخلصون، يريدون منها تطبيق القانون على هذه القضية. وهذه القضية خطيرة بشكل خاص لأنها تنطوي على نسخة أميركية من قانون «المؤامرة»، الذي قوبل بالرفض من معظم النظم القانونية الأوروبية. وترفع الدول الأوروبية القضية في الولايات المتحدة ليس فقط لأن شركة «آر جي آر» مقرها هنا، بل أيضاً لأن نظريتها القانونية القائمة على «المؤامرة» ربما لا تمضي بسرعة في نظم المحاكم في البلدان الأوروبية نفسها. ووجه المطالبة بتطبيق قانون «ريكو» هو أن المدعي أو ممثل الادعاء يزعم أن بعض المتهمين ارتكبوا ما يسمى بـ«أفعال مؤكدة» ضد القانون، وجرائم محددة. والمدعون الأوروبيون لا يذهبون إلى حد القول إن الشركة مشروع إجرامي، بالطريقة نفسها التي اتهم بها ممثلو الادعاء الأميركيون الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، في التهم الكبيرة المتعلقة بقانون «ريكو»، والتي تم الإعلان عنها العام الماضي. ولكنهم يزعمون أن «آر جي آر» ارتكبت أفعالًا تجعلها مسؤولة عن وقوع أضرار مدنية. ورفضت محكمة فيدرالية هذه الحجة على أساس أن المؤامرة المزعومة حدثت خارج نطاق ولاية القضاء الأميركي. واستندت على سابقة للمحكمة العليا تقول إن القانون قد يُطبق خارج الحدود الإقليمية إذا قال الكونجرس صراحة إنه يتعين ذلك. والأهم هنا أن الجانب الأوروبي هو المدعي في القضية. ومن خلال الذهاب إلى المحاكم الأميركية، فإن الأوروبيين يوضحون صراحة أنهم لا يعتبرون أن تطبيق قانون «ريكو» في الخارج يعتبر بمثابة غزو لأرضهم. وعلى العكس، فهم يقولون بالضبط إنهم يريدون من المحاكم الأميركية أن تقوم بدور المحكمين في القضايا التي تشملهم. ومن الناحية الفنية، ولأغراض الفقه الأميركي، فإن وجهة نظر الأوروبيين لا ينبغي أن تكون هي الأهم، بل الأهم هو رأي الكونجرس. ولكن في الواقع، فموقف أوروبا مهم أيضاً، ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن نوايا الكونجرس يمكن تفسيرها بطرق مختلفة. ومع التنبيه إلى أن المحكمة عادة ما تكون ضد تطبيق القانون الأميركي في الخارج، إلا أنني أراهن بحذر على أن النتيجة في هذه المرة ستذهب في الاتجاه الآخر، وأن شركة «آر جي آر» ستقدم للمحاكمة -ما يعني أن من المرجح أن تتوصل لتسوية مع الأوروبيين. وإذا ثبت أن الشركة سهلت حقاً مخطط غسيل الأموال، فستكون مسؤولة. وإذا كانت الدول الأوروبية تعتقد أن القانون الأميركي هو أفضل وسيلة لتحقيق ذلك، فإن هذه مجاملة لمخطط أميركي واسع النطاق لقانون «المؤامرة» والنظام القانوني الأميركي. وتوقعوا أن تقبل المحكمة العليا المجاملة وأن تطبق القانون. نوح فيلدمان: أستاذ القانون الدولي والدستوري بجامعة هارفارد ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»