دعاني الدكتور خالد فهمي وزير البيئة لملتقى فكري شاركت فيه مجموعة من المسؤولين التنفيذيين في وزارة البيئة والخبراء وعدد من الصحفيين وأعضاء مجلس الشعب، وذلك لمناقشة موضوع التنمية والبيئة ولعرض خطة وزارة البيئة التي تقوم بتنفيذها فعلاً. وقد رحبت بالدعوة من منطلق كوني باحثاً علمياً في العلم الاجتماعي ولي إسهامات متعددة في الميدان. وقد تبلورت هذه الخبرات المتعددة في البحث الذي قدمته لمؤتمر التنمية الاجتماعية عام 2000 وكان عنوانه «آفاق التنمية الشاملة في المجتمع المصري»، والذي ضمنته مجموعة من التوصيات، لعل أهمها التوصية الخامسة وكانت كما يلي: «ضرورة إقامة» مرصد اجتماعي يقوم بمهمة الرصد الدقيق للمتغيرات الاجتماعية، ويؤدي وظيفة الإنذار المبكر للظواهر السلبية وضروب التوترات الاجتماعية التي يمكن أن تحدث في غمار عملية التنمية البشرية الشاملة. ويقتضي ذلك الاعتماد على نظريات ومناهج العلم الاجتماعي بكل فروعه وعلى وجه الخصوص مناهج الدراسات المستقبلية، وقد لاقت هذه التوصية إجماعاً من أعضاء المؤتمر. وقد اهتمت الدكتورة «أمينة الجندي» -وزيرة الشؤون الاجتماعية في هذا الوقت ورئيس مجلس إدارة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- بتحويل هذه التوصية إلى واقع، وكلفتني- باعتباري أستاذاً غير متفرغ لعلم الاجتماع بالمركز- بتأسيس المرصد والإشراف على إدارته. وقد تشكل المرصد فعلاً من خمسة عشر أستاذاً يمثلون مختلف تخصصات العلم الاجتماعي. وقد مارست هيئة بحث المرصد عقد اجتماعات أسبوعية لمدة عام كامل عكفت فيه على وضع الإطار النظري للمرصد على أساس تقديم عروض علمية عن عدد من الموضوعات الجوهرية التي تتعلق بعمل المرصد. ومن بين هذه العروض المهمة إطار نظري مقترح للمرصد الاجتماعي، والمراصد في العالم أضواء دروس، ومؤشرات التنمية والسيناريوهات العلمية وطرق بنائها، وملامح مجتمع المخاطر، واتجاهات الدراسات المستقبلية ومفهوم التنمية المستدامة. وقد نشر المرصد الاجتماعي كتاباً مرجعياً ضم هذه العروض بعنوان المرصد الاجتماعي: الإطار النظري والعروض النقدية وبرنامج العمل صدر عام 2003 عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية. وقد استقرت هيئة بحث المرصد على اختيار أربع مشكلات أساسية لبحثها بحثاً متعمقاً، وهي القضية السكانية باعتبار أن الزيادة المطردة في السكان، يمكن أن تبدد ثمار برامج التنمية المختلفة. والقضية الثانية هي مشكلة الأمية. ولو عرفنا أنه –بحسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء- أن معدل الأمية في مصر هو 26% لأدركنا أننا أمام كارثة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. والقضية الثالثة هي مشكلة التعليم الذي فشل حتى الآن في تحقيق الكفاءة التعليمية المطلوبة، والتي يمكن أن تحقق متطلبات التنمية. والقضية الرابعة هي مشكلة البطالة وارتفاع معدلاتها وخصوصاً بين الشباب، مما يجعل المجتمع المصري من مجتمعات الخطر. والقضية الخامسة والأخيرة هي مشكلة الفقر الذي يعد إحدى أهم المشكلات التي تؤثر في واقع الحياة المصرية، والتي تثير توترات عديدة خاصة مع توقع زيادة معدلات الفقر. وقد صدقت هذه النبوءة لأن معدل الفقر الآن في مصر يشير إلى أن 26 مليون مصري يقعون تحت خط الفقر. وهكذا يمكن القول إن هيئة بحث المرصد الاجتماعي منذ عام 2001 نجحت في اختيار أهم المشكلات التي تواجه جهود التنمية في مصر، والتي من شأن عدم مجابهتها بالأسلوب التخطيطي والعلمي الأمثل يمكن أن يؤدي إلى انفجار اجتماعي، وقد تحققت هذه النبوءة بقيام ثورة 25 يناير 2011. ومعنى ذلك لو أن السلطة السياسية في مصر دعمت جهود المرصد الاجتماعي منذ عام 2002 لبحث هذه المشكلات بالإضافة إلى تدعيم إدارة المركز القومي للبحوث الاجتماعية لهذه الجهود لكان من الممكن تصويب مسار التنمية المصرية وإشباع الحاجات الأساسية للجماهير العريضة. في ضوء هذه الخبرات النظرية والعملية ركزت في العرض الذي قدمته في الملتقى الفكري الذي دعا إليه الدكتور «خالد فهمي» وزير البيئة على أهمية الاستعانة بالمؤشرات الكمية والكيفية لرسم صورة واقعية للمشكلات المصرية مع استخدام لغة التخطيط في التفرقة بين المدى القصير والمدى المتوسط والمدى الطويل، كما أكدنا على مفهوم «استدامة» التنمية، والتي تعني في المقام الأول وضع مستقبل الجيل القادم في الاعتبار في التخطيط لبرامج التنمية، والحرص على تكامل أبعادها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. في ضوء ذلك كله قدمنا إطاراً متكاملاً للربط الوثيق بين التنمية والبيئة، وهذا الإطار الثلاثي يقوم على أساس التحليل الثقافي، والتحليل السوسيولوجي للمجتمع، وأخيراً التحليل السوسيولوجي للقانون. *كاتب ومفكر- مصر