الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى كوبا، الأحد الماضي، ستدخل سجل مآثره كأول رئيس أميركي نزل في الأرض الكوبية خلال ثمانية وثمانين عاماً، فخلال هذه العقود الطويلة من الزمن وقعت أحداث جسام ليس في محيط العلاقات الأميركية الكوبية فحسب، وإنما أيضاً في العالم كله، والتاريخ المشترك للجزيرة الصغيرة وجارتها العملاقة حافل بمواقف ووقفات كادت إحداها تقود العالم خلال عصر الحرب الباردة إلى أتون حرب ساخنة وربما نووية، وذلك عندما قاد فيدل كاسترو غزوته الثانية ضد نظام الجنرال باتستا، الذي كان يوصف بأنه أحد أعتى وأفسد الأنظمة التي شهدتها القارة الأميركية، وكان مدعوماً من قبل الولايات المتحدة. لقد مثل سقوط نظام باتستا ضربة قوية للمصالح الأميركية، إذ كانت كوبا تمثل الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. في هافانا أنشأت المافيا الأميركية أول فندق وكازينو للقمار.. وفي هافانا كان الأثرياء والمقامرون يمارسون نشاطهم الممنوع في الولايات المتحدة.. ومن هافنا كانت تأتي المخدرات العابرة للقارات والقادمة من منابعها في أميركا الجنوبية. باختصار؛ كانت كوبا باتستا جاهزة لثورة حقيقية تقتلع كل ذلك وتؤسس لكوبا جديدة، وكانت مآثر فيدل كاسترو ورفيقه تشي جيفارا، قد أهّلتهم لتأسيس «قاعدة ثورية» على مرمى حجر من الولايات المتحدة زعيمة العالم الحر القوية الفتية، والتي كانت منها تمتد أذرع الخوان «دالس» (وزير الخارجية وأخيه رئيس وكالة المخابرات المركزية) عبر المحيطات والقارات، لكنهما فشلا في استباق غزوة كاسترو الثانية بعد أن فشلت الغزوة الأولى. هاج «العالم الحر» وماج، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، واعتبروا أن إقامة نظام شيوعي أمر يهدد مصالح «العم سام». وقد صنف الأميركيون منذ البداية ثورة كوبا على أنها انقلاب شيوعي نتج عنه وجود نظام شيوعي في الحديقة الخلفية للقلعة الأميركية، واستعدوا لغزو كوبا وتحرير شعبها. لكن حدث أن قام الاتحاد السوفييتي بنشر قاعدة للصواريخ وأعلن استعداده للدفاع عن الحكومة الكوبية الشرعية التي طلبت منه ذلك. وكانت أزمة الصواريخ والغزو الاستخباراتي الأميركي الفاشل في خليج الخنازير، وتبادل القذائف الكلامية الحادة بين الزعيمين السوفييتي خروتشوف والأميركي كندي، وتدخل الأمم المتحدة، ثم التهدئة التي أفضت إلى قيام الاتحاد السوفييتي بسحب صواريخه من كوبا مقابل تعهد أميركي (من الرئيس كندي) بعدم تكرار محاولة غزو جمهورية كوبا الاشتراكية. لكن بدلاً عن الغزو العسكري، فقد شنت الولايات المتحدة حرباً ضروساً على الجبهة الاقتصادية ضد كوبا، فكانت المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية لكوبا، والتي قادتها الولايات المتحدة وشاركتها إسرائيل في ذلك. ولقد عطلت المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية المستمرة لأكثر من نصف قرن ضد كوبا (من 1961 إلى 2015) التنمية الاقتصادية وحركة التجارة والاستثمار في كوبا، لكن هذه المقاطعة الاقتصادية لن تنجح في إيقاف عملية التنمية البشرية، فأرقام وتقارير الأمم المتحدة تؤكد أن كوبا تحظى بنظام صحي شامل لكل المواطنين، وأن التعليم فيها بالمجان أيضاً لكل المواطنين، كما أن السياحة أجنبية فيها لم تتوقف رغم تقادم البنية الأساسية اللازمة لذلك. وقد مرت عقود وجاء قرن جديد ومعه تم انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة تميز بحسن الإدراك والرغبة في توفير قدر من السلام للولايات المتحدة وللعالم معها، فأعلن منذ خمسة عشر شهراً، مع نظيره الكوبي راؤول كاسترو، أنهما اتفقا على طي صفحة من التوتر والمقاطعة استمرت لنصف قرن، وأنهما سيستعيدان علاقات بلديهما الدبلوماسية. وهذه الزيارة الرسمية الأولى لرئيس أميركي منذ قرابة تسعين عاماً، هي ثمرة ذلك القرار، وكما قال الرئيس الكوبي في مؤتمره الصحفي المشترك مع أوباما، فإن عودة العلاقات بين البلدين خطوة مهمة لكنها لا تعني أن الخلافات بينهما قد انتهت، وقد أكد ذلك أيضاً الرئيس أوباما، ونبّه إلى أنه ما تزال هناك خلافات حادة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن عودة العلاقات يمثل خطوة مهمة للشعبين الجارين، وهما يستفيدان منها على قدم المساواة، فالاستمارات الأميركية تتطلع للعودة وبقوة، وقد بدأت فعلاً في العودة إلى السوق الكوبي، وكوبا تتطلع للخبرات الأميركية في أعمال الصناعة والسياحة والتجارة. سيغادر الرئيس أوباما البيت الأبيض في يناير القادم، وقد يخلفه رئيس (أو رئيسة) من حزبه الديمقراطي ملتزماً (ملتزمة) باستكمال أجندة الحزب التي بدأها أوباما في دورتيه الرئاسيتين، وستبقى عودة العلاقات الأميركية الكوبية إحدى مآثر رئاسة أوباما التي سيذكرها له التاريخ.