أتذكرون أول فرع في الحكومة الأميركية؟ فقد نُسي الكونجرس فيما يبدو في غمرة تحول الأنظار بشكل كامل إلى السباق الرئاسي والخلاف الحزبي على ترشيح الرئيس باراك أوباما لـ«ميريك جارلاند» في منصب قاض بالمحكمة العليا. والفرع التشريعي ليس في حال جيدة. ففي مجلس النواب، يعرقل تكتل الجناح اليميني خطة رئيس المجلس «بول ريان» لإقرار ميزانية. وفي مجلس الشيوخ، الأولوية الأولى لـ«الجمهوريين» تتمثل أساساً في الاحتفاظ بالأغلبية المعرضة للخطر، والمشرعون يكافحون للعثور على مشروعات قوانين صغيرة لوضعها في جدول أعمال أبريل ومايو. لكن هناك عناصر جوهرية قليلة يتعين تفعيلها مثل بعض الإصلاحات التي يجمع عليها الحزبان للنظام القضائي الجنائي. وكلا الجانبين يحاولان الحصول على الفائدة السياسية القصوى في انتخابات نوفمبر. وعلاوة على هذا، فإن الكونجرس يستعد كثيراً لجلسة بعينها بعد الانتخابات الرئاسية حين يفقد الرئيس الحالي الكثير من صلاحياته، وربما تتضمن هذه الجلسة بحث اتفاقية الشراكة عبر الهادي وترشيح «جارلاند». وفي الجلسات الاعتيادية ستُمارس ضغوط على الأغلبية «الجمهورية» التي يشعر أعضاؤها بالفعل بالتوتر بشأن احتمال فوز «دونالد ترامب» بالترشيح الرئاسي. والمعركة على الميزانية شكلية لأن مستويات الإنفاق تم تحديدها العام الماضي في صفقة بين الرئيس و«الجمهوريين» في الكونجرس. لكن «ريان»، رئيس مجلس النواب الجديد الذي انتقد «الديمقراطيين» لتقاعسهم عن إقرار ميزانية، يشعر أن مصداقيته معرضة للخطر. وأجبرت تكتل الحرية اليميني، وهو الجماعة التي ضغطت على رئيس المجلس السابق ودفعته للاستقالة العام الماضي، ريان على سحب مشروع القانون حالياً. وحتى لو أحيا رئيس المجلس المشروع الشهر المقبل، فإن مجلس الشيوخ قد يقضي عليه. و«ميتشل مكونيل» زعيم الأغلبية في مجلس الشيوح لا يريد أن يعالج قضية الموازنة، أو أي قضية خلافية أخرى قد تزيد من تعقيد مساعي إعادة انتخاب بضعة أعضاء يخشون أنهم يخوضون الانتخابات في مناخ غير ودي. ويسيطر «الجمهوريون» على مجلس الشيوخ بواقع 54 مقعداً مقابل 46 مقعداً لـ«الديمقراطيين»، وإذا احتفظ هؤلاء بالبيت الأبيض، فإن خسارة «الجمهوريين» أربعة مقاعد ستحول دفة السيطرة في المجلس إلى «الديمقراطيين».. وسير «مكونيل» الماهر على الحبال بين الانتخابات و«ترامب» و«المحافظين» المستائين يفسر رفض الحزب مجرد عقد جلسات استماع بشأن «جارلاند». إنهم يخسرون هذه المعركة مع الجمهور، وأي تصويت على اختيار أوباما للشخصية التي تحل محل القاضي «أنطونين سكاليا»، الذي كان أيقونة المحافظين والمتوفى في فبراير الماضي، سيتسبب في مزيد من التوترات داخل الحزب «الجمهوري» واستراتيجية «الجمهوريين» داخل الحزب في الشهور الستة التالية شبيهة باستراتيجية الملاكم الشهير محمد علي كلاي الذي كان يتظاهر بأنه محاصر في ركن الحلبة، ليجعل الخصم يوجه له ضربات غير فاعلة ويستنزف طاقته، وهي استراتيجية تخفي الانشقاقات داخل الحزب. والأقلية «الديمقراطية» لها انشقاقاتها أيضاً بين التوجه الليبرالي في حركة القاعدة الشعبية للسيناتور«بيرني ساندرز» والسياسة الواقعية البراجماتية لهيلاري كلينتون. والخطة تتمثل في تقديم مشروعات قوانين بشأن مخصصات مالية يدعمها كلا المعسكرين «الديمقراطيين» مثل زيادة الحد الأدنى للأجور والمساواة بين النساء والرجال في الأجر والتمتع بإجازة وضع مدفوعة الأجر، وهو ما لن يقبله أبداً مجلس النواب. وينصب الاهتمام على الجلسة المحتملة بعد أن يفقد أوباما الكثير من صلاحياته. والجلسة أمر شائع بعد أن يفوز بالانتخابات الرئاسية الحزب المنافس، وعقدت مثل هذه الجلسة في أعوام 1980 و2000 و2008، وحققت بعض الإنجازات الجوهرية. وإذا فاز ترامب أو السيناتور «تيد كروز» بالرئاسة سيكون من الصعب تخيل انعقاد مثل هذه الجلسة. وإذا فازت كلينتون فالأمر قد يكون مختلفاً. وسيروق لأوباما و«ريان» أن يضمنا إقرار اتفاق تجارة حافة الهادي، رغم أن معظم «الديمقراطيين» يعارضونها، وليس من الواضح إذا ما كان هناك دعم كاف من «الجمهوريين» في مجلس النواب. وكلينتون، متقلبة الرأي، عارضت الصفقة، لكن يفترض أنها لن تعترض طريقها. وإذا أصبحت كلينتون رئيساً منتخبا ستواجه ضغوطاً شديدة للقضاء على اختيار أوباما لجارلاند المؤهل بشكل رائع لمنصب قاضي المحكمة العليا. وهناك بالفعل تكهنات عن مرشحين محتملين قد تقدمهم كلينتون إذا فازت بالرئاسة، ومن بين الأسماء السيناتور إليزابيث وارين وهي المفضلة لدى الليبراليين. واحتمال أن كلينتون قد تحاول دفع المحكمة العليا ناحية «اليسار» قد يجعل «جارلاند» خياراً جذاباً للجمهوريين. ينشر بترتيب خاص مع خدمة«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»