جاءت مليارات الدولارات التي حكمت بها محكمة نيويورك الفيدرالية تغريماً لإيران وتعويضاً لذوي ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001، وذلك تأسيساً على الدور الذي لعبته الأيدي الخفية لإيران في تسهيل مهمة تنفيذ العلمليات الإرهابية، الذي لم يكن مستغرباً على سياسة طهران البراجماتية، وسعيها لزرع الفتن بين شعوب المنطقة وتجاه العالم أجمع. إن إيران لاعب رئيسي في مشاكل المنطقة وراعٍ للإرهاب، وضلوعها في جميع العمليات التخريبية التي طالت المنطقة وشعوبها، وتدبيرها ومكْرها في إشعال أدوار الصراعات والنزاعات والمواجهات والاحتقانات في هشيم المنطقة كلها، لا يحتاج إلى كثير من الأدلة، لأنها سياسات ومواقف معلنة في كثير من الأحيان، وكثيرون في طهران يفاخرون، جهاراً نهاراً، بأن أربع عواصم عربية باتت في قبضتهم، وفي سبيل ضمان استمرار السيطرة والتوسع وسياسة «وضع اليد» على النظام الإقليمي كله لا تتردد إيران في بث سمومها، وترويج أجندتها، حتى لو كان ذلك يقع أحياناً تحت غطاء «نصرة المظلومين»، ذراً للرماد في العيون، وبتعهد من وكلاء الحروب والعملاء الموالين لها وبائعي الذمم وقابضي الثمن. وعلى رغم الاضطرابات الأمنية التى شهدتها بعض دول الشرق الأوسط عقب ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي، وبسط نفوذه فى أجزاء من العراق وسوريا، وامتداد شرر هجماته وشروره إلى دول أخرى من المنطقة، فإن إيران تعد الدولة الوحيدة التي لم تشهد أعمالًا إرهابية خلال السنوات الماضية، رغم عدم انقطاع الحديث عن كونها متورطة فى عدد من ملفات الأزمات الإقليمية، بشكل يفتح المجال أمام احتمالية القيام بأعمال انتقامية جراء سياستها الصدامية والعدوانية، بالإضافة إلى كبتها للعديد من الشعوب والطوائف الداخلية كالأحوازين والبلوش والأكراد وغيرهم، مما يطرح تساؤلاً محيراً بالحصانة التي تتمتع بها إيران من الإرهاب دون غيرها من سائر الدول؟ وخلال العقود الأربعة الأخيرة أصبحت إيران «الحاضنة الرسمية للإرهاب»، والداعمة التي تفقس المتطرفين وتساهم في تسمينهم وتكبيرهم وتدريبهم حتى يستطيعوا تدبير العمليات الإجرامية والتآمر ضد الشعوب ونشر الفوضى والدمار، وبذلك صارت ملاذاً ومرتعاً للمخربين ومأوى للهاربين والفارين من العدالة. ولعل أقرب دليل على صحة هذا الكلام كثرة الفتن والمحن التي تشيعها الآن عشرات المنظمات الحزبية والتنظيمات المتطرفة التي تدعمها إيران بشكل أو بآخر في مختلف مناطق وبؤر العالم، وهي منظمات ثبت انتماؤها وولاؤها المطلق لإيران سواء واضحة التبعية أو المتسترة بالدين والمذاهب المختلفة «السنية- الشيعية»، وهي كلها منظمات عنف وقتل راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر، في هجمات وصراعات ارتمت فيها وأججت محارقها البيادق ومخالب القطط المحركة من هناك تحت دعاوى ودعايات خليط غريب من الطمع السياسي أو التعصب المذهبي والعرقي أو الاختلاف العقائدي. وعلى رغم عدم خلو الحديث المتكرر لمسؤولين إيرانيين من محاولات ترسيخ فكرة إيجاد «العدو الخارجى» والنفخ في بعبعه وهواجسه الموجهة للاستهلاك الداخلي، فإنه يمكن القول بقدر من اليقين، إن اعتماد النظام في بقائه واستمراره هو بالأساس على الجهاز الأمني والعسكري الضخم والمتوغل في مفاصل الحكم والاقتصاد بشكل كبير. إن سياسة طهران بتصدير الثورة في حد ذاتها انتهاك سافر لسيادة الدول وتدخل في شؤونها الداخلية، ولا يبقى بعد ذلك سوى ما هو مكشوف ومعروف من تجنيد المليشيات في العراق ولبنان وسوريا واليمن، والدعم المستمر للإرهاب، وتوفير ملاذات آمنة له على أراضيها، وزرع الخلايا الإرهابية في عدد من الدول العربية، بل والضلوع في التفجيرات الإرهابية، وانتهاكاتها المستمرة لحرمة البعثات الدبلوماسية، بل ومطاردة الدبلوماسيين الأجانب حول العالم بالاغتيالات والتصفيات اللاإنسانية، وكل ذلك كان يكفي في حد ذاته ليعرف العالم -والغرب في مقدمته- من يدعم الإرهاب ومن يرعى الإرهابيين ومن يحركهم من وراء ستار مسرح عرائس كل هذه الفتن والصراعات والنزاعات الدموية المحتدمة في المنطقة، وهذا ما خلص إليه، أخيراً، حكم القضاء الأميركي في النهاية.