كما رأينا في مقالتنا الأسبوع الماضي، كان مؤتمر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول الشباب والتنمية حافلًا بالمواضيع المختلفة، وكلها نابعة من إدراك استراتيجي لأهمية الشباب في بناء وتشييد المجتمعات، ولضرورة إشراكهم في عملية التنظير والتوجيه. ومن بين المحاور الأخرى التي تمت مناقشتها الوعي السياسي لدى الشباب ودوره في تنمية المجتمع. وقد سبق أن كتبت في صحيفة «الاتحاد» الغراء، ومنذ أزيد من خمس سنوات في خضم الثورات العربية، أن بعض الزعماء الذين أغلقوا أبواب التنمية في مجتمعاتهم كانوا يظنون أن شعوبهم وخاصة شبابهم بلداء الطبع والعقل، وأذكاهم يكونون متبلدين ينسجون على منوال والديهم في العزوف عن السياسة، ويذهلون عما أحالته الأيام من الأحوال إلى أن تبين لهم أن الحق لا يقاوم سلطانه والباطل يقذف شهاب النظر شيطانه، ومرعى الجهل والتبلد بين الأنام وخيم وبيل، فثارت عليهم شعوبهم، التي يئست من بطش زعماء تبين أن نظمهم ضعيفة بالغة الهشاشة. ولكن للأسف لم نسمع قط بعد ذلك أن حركات شبابية في تلك الجمهوريات طورت الأحزاب السياسية وأحدثت تغييراً وثورة في القواعد والنظم أو بلورت خريطة طريق عمل وبرامج تنموية تتجاوز البرامج السابقة، وتحدث تصور تحديث للاقتصاد والتنمية. وهذا ما نجحت فيه دول أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وقبلها دول أوروبا الغربية، وهو ما تفشل فيه اليوم بعض الدول العربية. والداهية العظمى أن الشعوب لا تستطيع الصبر في الفترات الانتقالية، لأنها تريد الجزاء الأوفى من عمل وراتب معقول إلى غير ذلك.. فهي إذا لم تشرك في عملية التغيير من الداخل، فإن أي فشل في أي سياسة عمومية أو قطاعية سيقابل وابلًا من الرفض ومن الحركات الاحتجاجية بفعل تطور الإنترنت... أما وإن أشركت وشاركت في عملية التغيير، فإن النجاح أو الفشل يكون جماعياً. إن التغيير عملية يجب أن تكون مستمرة وهادئة وذكية تخضع لقواعد العلوم السياسية وقواعد التاريخ وقواعد العيش المشترك وتتبنى أصول التنمية والمساءلة والمحاسبة للجميع، وإن كان الطريق إلى هذا كله مليئاً بالأشواك في العديد من الدول التي عانت من سلطوية عاتية. ولذا أجمع المتدخلون من رجالات دولة وأساتذة وطلبة في المؤتمر أن الوعي السياسي للشباب الجامعي يمثل أحد أهم أسس قيام المجتمع الديمقراطي السليم، فالحياة الديمقراطية تعني مشاركة جميع فئات المجتمع في ممارسة المسؤوليات والطموح والتفكير، والعمل من أجل تنمية مجتمعها. والوعي السياسي وسيلة وغاية في آنٍ واحد معاً، فهو وسيلة تتيح لأفراد المجتمع، خاصة فئة الشباب، أن يتعرفوا إلى آليات الممارسة الديمقراطية، وكيفية المشاركة الفاعلة في الحياة العامة للمجتمع، ما يسهم في بناء شخصياتهم وثقافتهم، ويطور أنماط سلوكهم داخل المجتمع. كما أجمع المتدخلون على أن تنمية الوعي السياسي أيضاً غاية، حيث إن المشاركة السياسية تعمل على إكساب الشباب بعضاً من الاتجاهات الإيجابية، وتعدِّل الاتجاهات السلبية، وتعزز ولاءهم وانتماءهم إلى مجتمعهم، وتخلق عندهم القدرة على التفكير الموضوعي والتحليل والنقد البنَّاء، وبالتالي تساعدهم على اكتساب كثير من المهارات والخبرات الجديدة التي تصب في النهاية في خدمة مجتمعهم وتطويره. وتولي معالي شمة بنت سهيل بن فارس المزروعي منصب وزير الدولة لشؤون الشباب أفضل مثال لما يمكن أن يصل إليه أبناء أي بلد في منصب المسؤولية وتجسيد مطالب الشباب في سياسات عمومية راشدة، وقد نجد في بعض الدول وزارات حاسمة تعطى لشباب في مقتبل العمر كما هو حال فرنسا حيث إن وزير ?الاقتصاد ?الفرنسي ?الحالي إيمانويل ?ماكرون ?في الثلاثينات من عمره، ?وقد بدأ ?ينجح ?منذ ?توليه ?المنصب ?الوزاري ?في ?إعادة ?بناء ?الثقة ?في ?فرنسا ?بين ?المستثمرين ?والفرنسيين ?أنفسهم. ?وكان ?«ماكرون» ?قبل ?ذلك ?كبير ?المستشارين ?الاقتصاديين ?لأولاند ?وعمل ?مصرفياً ?في ?بنك «?روتشيلد» ?الاستثماري. ?ووجوده ?في ?الحكومة ?خلق ?ارتياحاً ?لدى ?الخبراء ?الاقتصاديين ?الذين ?اعتبروه ?علامة ?على ?أن ?أولاند ?سيمضي ?قدماً ?في ?سياسته ?الداعمة ?للشركات، التي ?أقرها ?في ?وقت ?سابق ?هذا ?العام ?لخفض ?ضرائب ?الشركات ?بواقع ?40 ?مليار ?«يورو» ?لانتشال ?الاقتصاد ?من ?الركود ?وتقليص ?العجز. ?وهذا ?إن ?دل ?على ?شيء ?فإنما ?يدل ?على ?حكمة ?الارتقاء ?بشريحة ?الشباب ?وبالكفاءات ?وتشجيعها ?لتصل ?الدول ?إلى ?بر ?الأمان.