دول الخليج العربي هي أكثر الدول العربية استقراراً وأمناً ورخاء بين شقيقاتها العربيات، وهي لا تكتفي بذلك، بل إنها باتت تقود الدول العربية لحماية مصالحها ومصالح الشعوب العربية، هذه حقيقة ومعطى واضح لمن ينظر للمنطقة والعالم العربي بواقعية. لقد أصبحت المخاطر تحديات، وأصبحت المصالح أكثر تشابكاً وقوةً، والذي لا يستطيع رؤية التقارب وتوحيد المواقف السياسية الكبرى بين دول المجلس لديه مشكلة حقيقةٌ في القراءة السياسية للمشهد المعاصر، ومن هنا يخطئ بعض المؤدلجين من مواطني دول المجلس حين يراهنون على الخيانة والعمالة لمن اتضح عداؤه أو تجلت خصومته، ويدفعون ثمن الجهل وتقحم ما لا يحسنون، والرهان على معادلات بالية أو تناقضات متوهمة، أو اللجوء لأكاذيب يرددها الإعلام المعادي لدول الخليج في الدول الغربية أو بعض المنابر الإعلامية العربية التي يعرف بجلاء من يقف وراءها. عانت دول المجلس قديماً من معارضة اليسار والشيوعيين والاختباء تحت شعارات العمال والبروليتاريا والبرجوازية، ونحوها من خطابٍ كان يملأ العالم مبشراً بالشيوعية، ومراهناً على حتمية نجاحها في محاربة الرجعية وأنظمتها حول العالم، وفي الدول العربية كان لهم أثر كبير وتيارات وأحزاب ورموز ومفكرون، ولكنهم حين وصلوا لدول الخليج خاب رهانهم، وسقطت شعاراتهم، وتلاشوا، وانتهوا، وغيبهم التاريخ، وبقيت دول الخليج وقياداتها وشعوبها يزدادون نجاحاً واستقراراً وتماسكاً وتطوراً. ثم جاءت حقبة القوميين من ناصريين وبعثيين وأمثالهم، وملأوا العالم العربي بشعارات القومية وهتافات العروبة، وهاجموا دول الخليج وشعوبها، ووصموهم بالتخلف والرجعية مثل أسلافهم، وسعوا جهدهم لحربها عسكرياً في اليمن والحد الجنوبي السعودي، وبالمؤامرات وبكل أصناف الاستهزاء والاستخفاف، وكان لهم أتباع متأثرون بهم بدرجات متفاوتة من أبناء الخليج، ولكن بعد افتضاح مشروعهم وفشله بكل المقاييس بقيت دول الخليج وشعوبها وقياداتها يزدادون نجاحاً واستقراراً. وقد ورثت الجهتين بعد إفلاسهما جماعات وتيارات ورموز الإسلام السياسي، الذين جاء أغلبهم للخليج فراراً من بطش القوميين و«البعثيين»، وعضّوا اليد التي مدّت لهم وأنكروا الجميل، وعملوا كل جهدهم للاستحواذ على مؤسسات الدولة في الخليج، وتغلغلوا في كل مجالٍ استطاعوا التغلغل فيه، وجندوا أبناء الخليج في تنظيماتهم السرية والعلنية ووظفوهم ضد أوطانهم وغسلوا أدمغتهم باسم الدين والإيمان والإسلام، وكل ذلك خدمةً لطموحاتهم السلطوية والسياسية، وتحالفوا مع ما كان يعرف بالثورة الخمينية في إيران، على الرغم من مبدأها الأساس «تصدير الثورة»، والذي كانوا يعلمون جيداً أن المقصود به هو دول الخليج والدول العربية. وفي حرب الخليج الثانية وغزو صدام للكويت دافعوا عنه، وتحالفوا معه، وأيدوه ضد دول الخليج، وأخذوا موقفاً مساوماً تجاه تنظيم «القاعدة» الإرهابي الذي لم يتبرأ منه كثير منهم بعد، بل اعتمدوا المراوغة والتستر والسكوت والكسل في مواجهته، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانوا إلباً على السعودية ودول الخليج بتحميلهم المسؤولية، وصمتوا صمت القبور اليوم بعد حكم محكمة أميركية بفرض عقوبات ماليةٍ ضخمةٍ على إيران و«حزب الله» جراء مساهمتهم الفاعلة في ذلك الحدث الإرهابي. وصولاً إلى لحظة «الربيع العربي»، فقد أحسنوا التلاعب على الحبال، بين الموالاة والمعارضة، بين السيطرة على المؤسسات وبين التبرؤ منها ومن الدولة والحكومة، ثم لما جاءت تلك اللحظة خرجوا عن طورهم ورأوا كراسي السلطة أقرب إليهم من أي وقتٍ مضى فكشروا عن أنيابهم، وتحالفوا مع أميركا التي لطالما شتموها وحذروا منها، وطالما استخدموا العلاقات القوية لدول الخليج مع أميركا كمشجبٍ يصنعون من خلاله الغضب والسخط والإحباط والضرب في المشروعية السياسية، فإذا بهم يرتمون في أحضانها زرافاتٍ ووحداناً. فعل إخوان الخليج الشيء ذاته، وانكشف عداؤهم وخيانتهم، فصنفتهم بعض دول الخليج كالسعودية والإمارات العربية المتحدة كجماعاتٍ إرهابيةٍ، وهو ما انتشر لاحقاً في دول عربيةٍ وغير عربيةٍ. اليوم، ثمة فئتان تمثلان الخصوم والأعداء في دول الخليج، وهما أتباع إيران وأتباع الإخوان، وهمهم المقيم وشغلهم الشاغل ضرب إسفينٍ في العلاقات الخليجية بأي شكلٍ ودون حسابٍ لا للسياسة ولا للأخلاق ولا للتاريخ ولا للتقاليد، أعمتهم الإيديولوجيا عن أي حساباتٍ أخرى كان ينبغي أن يكون لها الأولوية. أبرز نماذج أتباع إيران هو عبد الحميد دشتي في الكويت، وها هي الكويت تحاسبه وتنتظر وصوله من الخارج بعد رفع الحصانة عنه، ونماذج أتباع الإخوان تظهر في بعض من يمثلون درجةً ثالثةً من أتباع الإسلام السياسي وطرحهم المسفّ الذي لا يختلف عن طرح دشتي، ولكن الحقيقة الناصعة أن دول الخليج تزداد استقراراً وتطوراً وهم سيذهبون أدراج الرياح.