يُشكل هرمون الإنسولين الذي تنتجه خلايا متخصصة داخل البنكرياس، أهم ميكانيزمات عملية تنظيم مستوى الجلوكوز أو السكر في الدم. وإن كان في بعض الحالات المرضية، يرتفع مستوى الإنسولين في الدم بشكل غير طبيعي مقارنة بمستوى السكر في الدم (Hyperinsulinemia)، كما في بعض الأمراض السرطانية، كسرطان البنكرياس، أو منظومة تحوصل المبيضين، أو بسبب استخدام بعض العقاقير الطبية، أو نتيجة الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. فعلى عكس السكري من النوع الأول، الذي يعتبر مرضاً من أمراض المناعة الذاتية، ويتسم بعجز شبه كامل عن إنتاج الإنسولين، نجد أن السكري من النوع الثاني، يتميز بارتفاع ملحوظ في مستوى الإنسولين–على الأقل في المراحل الأولى من المرض- وعلى رغم ذلك يعجز الجسم عن خفض مستوى السكر في الدم. ففي النوع الأول من المرض، يقوم جهاز المناعة بطريق الخطأ، بتدمير الخلايا المنتجة للإنسولين، أما في النوع الثاني -لسبب أو لآخر- تقاوم خلايا الجسم تأثير الإنسولين. ولذا، على رغم أن نوعي المرض يتميزان بارتفاع مستوى السكر في الدم، فإن هذه الصفة لا تزيد على كونها علامة للسكري بنوعيه، مع اختلاف السبب بين النوعين. وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن زيادة مقاومة الجسم للإنسولين، وما تؤدي إليه من ارتفاع مستوى الهرمون في الدم، هي مجرد علامة من علامات داء السكري من النوع الثاني، مثلها في ذلك كارتفاع مستوى السكر، يرى آخرون أنها سبب المرض ذاته، أو على الأقل مرحلة أولية من مراحل الاختلال في العمليات الحيوية داخل الجسم، التي تتجسد في نهايتها في داء السكري من النوع الثاني بشكله الكامل، بجميع أعراضه وعلاماته المميزة. وتنتج زيادة مقاومة الجسم للإنسولين من عدة أسباب، وإن كان أهمها هو زيادة الوزن والسمنة، أو العكس. بمعنى أن زيادة مقاومة الجسم للإنسولين قد تؤدي في حد ذاتها إلى زيادة الوزن والسمنة، أو أن زيادة الوزن والسمنة هما اللذان يؤديان إلى مقاومة الجسم للإنسولين. وهذا التشابك والارتباط بين مقاومة الإنسولين والسمنة، يعتبر من أهم المجالات البحثية حالياً في دراسات مرض السكري. وخصوصاً في ما يتعلق بتأثير الخلايا الدهنية الموجودة حول الأعضاء الداخلية في منطقة البطن، والمعروفة بالسمنة المركزية. فمن المعروف أن السمنة المركزية، أو السمنة المتمركزة حول البطن والخصر (الكرش)، تتسبب في ارتفاع احتمالات الإصابة بداء السكري، وبأمراض القلب والشرايين، كما تشير بعض الدراسات إلى أن السمنة المركزية تتسبب أيضاً في زيادة احتمالات الوفاة المبكرة بمقدار الضعف. ويفسر البعض هذه العلاقة على أنها قد تكون بسبب إفراز الأنسجة الدهنية الموجودة في البطن لهرمونات خاصة (Adipokines)، تؤدي إلى زيادة مقاومة الجسم لهرمون الإنسولين. وبخلاف السمنة، وخصوصاً السمنة المركزية، ترتبط زيادة مقاومة الجسم لمفعول هرمون الإنسولين بعوامل خطر أخرى، مثل التاريخ العائلي للإصابة بالسكري من النوع الثاني، وقلة النشاط البدني وعدم ممارسة الرياضة، وارتفاع مستوى الدهون الثلاثية في الدم، وارتفاع ضغط الدم، وبلوغ الأربعينيات من العمر، أو تخطيها. وتتنوع وتتعدد أعراض وعلامات زيادة مقاومة الجسم للإنسولين بشكل كبير، بسبب الاختلافات والتباين البيولوجي والحيوي بين الأشخاص. وتشمل حزمة هذه الأعراض والعلامات ضبابية التفكير وعدم القدرة على التركيز، والشعور بالنعاس، وخصوصاً بعد الوجبات، والإحساس الدائم بالجوع، وتصبّغ ثنايا الجلد بلون داكن تحت الإبطين، وخلف العنق، وداخل الفخذين. وتظهر التحاليل والفحوصات الطبية للمصابين بمقاومة الإنسولين، ارتفاع مستوى السكر في الدم، وارتفاع مستوى الدهون الثلاثية، وارتفاع مستوى ضغط الدم، بالإضافة إلى زيادة المؤشرات الكيميائية للالتهاب المرتبطة بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، كالسكتة الدماغية والذبحة الصدرية. ويعاني هؤلاء الأشخاص من زيادة الوزن والسمنة، والصعوبة الشديدة في خسارته، وتتراكم الدهون غالباً داخل وحول منطقة البطن، على خلاف الدهون التي تتجمع في مختلف مناطق الجسم، مثل الردفين، بين الأشخاص زائدي الوزن لأسباب أخرى، غير مقاومة الجسم للإنسولين. ويقع التأثير الغريب الآخر لمقاومة الجسم للإنسولين على الصحة النفسية، حيث غالباً ما يعاني هؤلاء الأشخاص من تبعات نفسية، وخصوصاً الإصابة بالاكتئاب. وإذا فشلت خلايا البنكرياس في زيادة إنتاجها من الإنسولين، وهو أمر حتمي إذا ما ظلت مقاومة الجسم له تزداد باستمرار، فسينتهى المطاف حينها بإصابة المريض بالسكري من النوع الثاني بصورته الكاملة، ولاحقاً بمضاعفاته الخطيرة التي قد تؤدي إلى الوفاة المبكرة. وغني عن الذكر هنا، أن هذا السيناريو المأساوي برمته، يمكن وقف تسلسله، بل وعكس أحداثه، والعودة بخلايا الجسم للاستجابة للإنسولين بالشكل الطبيعي، من خلال فقدان الوزن، وممارسة الرياضة.