في هذا الأسبوع كنت في باريس عندما اندلع الجدل حول مقابلة الرئيس الأميركي أوباما في مجلة «أتلانتيك»، والتي كانت أكثر من مجرد حديث صحفي، بل شكلت شرحاً لما اعتبرته المجلة «مذهب أوباما». جوانب ثلاثة بدت مثيرة في كلام أوباما: - قراءته للوضع الإقليمي الشرق أوسطي من منظور مغاير للرؤية التقليدية الأميركية، بغموضه في تبني مبدأ التحالف الاستراتيجي الثابت مع محور الاعتدال العربي ومطالبته بتوازن القوة بين إيران والقوى العربية الرئيسية (يعني أساساً السعودية) لتسوية أزمات المنطقة العالقة. -تبرير سياسة الانكفاء والتردد في الأزمات الدولية التي عرّضت السلم العالمي للتهديد وكانت تكلفتها الإنسانية عالية، ومثالها التراجع عن التدخل العسكري في الساحة السورية بعد التهديد باستخدام القوة عند استعمال الأسلحة الكيميائية ضد السكان. -النغمة الجديدة في خطابه تجاه حلفائه الأوربيين الذين اتهمهم بالمغامرة والعجز، في ما قرئ على أنه مراجعة من نوع ما لركن أساسي من أركان العقيدة الاستراتيجية الأميركية حول التحالف الأمني والاستراتيجي مع أوربا. قد تُقرأ المقابلة من وجه ضيق محدود، باعتبارها مجرد انطباعات ومشاعر رئيس غريب عن التقليد السياسي الأميركي في الأشهر الأخيرة من حكمه، وبالتالي لا يترتب عليها أي نتائج جوهرية، بيد أن طبيعة وسياق المقابلة وجِهة نشرها لا تسمح بهذه القراءة المتسرعة، رغم احتساب الجوانب الشخصية في تجربة أوباما. في باريس التقيتُ شخصية فكرية وسياسية عربية ذات إشعاع دولي كبير، سألتها عن الجوانب المتعلقة بالوضع السوري الجديد في ضوء تصريحات أوباما وانسحاب الجيش الروسي المعلن، وكانت إجابتها المستندة إلى معلومات مباشرة من مصادر القرار الأولى أن هذا التحول لا يمكن أن يقرأ بصفته نمطاً من «يالطا أميركية روسية» أو اتفاقية «كيري- لافروف» (على غرار سايكس -بيكو الشهيرة)، وإنما يعني عملياً حالة من الإقرار الجماعي بالعجز عن إدارة ملفات المنطقة والاكتفاء بالبحث عن بدائل لتخفيف الاحتقان لتهيئة الأرضيّة لحلول لا تبدو في الأفق القريب. قد تكون هذه الملاحظة مدخلاً جدياً لفهم مذهب أوباما «الجديد» الذي يفتقد التناسق والوضوح، على الرغم مما للرجل من رصانة فكرية وتكوين علمي ونظري قويين. كانت نهاية الحرب الباردة هزة قوية للعقل الاستراتيجي في توتره الدائم والحركي بين نزعتي الانكفاء الواقعي والمثالية الرسالية، وفي عهد الرئيس كلينتون استطاعت الولايات المتحدة الاستفادة من موجة التوسع الديمقراطي في العالم وانحسار القوة الروسية، فغدت الفكرة الموجهة للديبلوماسية الأميركية هي الاستفادة من انتهاء حالة الاستقطاب لتسوية النزاعات العالمية من منظور قيم الشرعية الدولية. ومن هنا المقاربة الأميركية للقضايا العربية في تلك المرحلة. بينما قرأ خلفه الجمهوري «بوش الابن» المقاربة ذاتها بمنطق معاكس هو تحويل قيم ومعايير النموذج الأميركي إلى عقيدة أيديولوجية للتصدير بالقوة بما انجر عنه تدمير تركة مسار التسوية السلمية وتدمير العراق دون تحقيق أي من الأهداف المقصودة. ما فهمه أوباما معبراً عن توجه كامل في العقل الاستراتيجي الأميركي هو أن الموقع الريادي للولايات المتحدة في الساحة الدولية لا يوفر لها عملياً أي قدرات ناجعة للتدخل في صراعات دولية انتقلت من ساحة المواجهة التقليدية في أوربا إلى المشرق العربي وساحل أفريقيا وقرنها والتبست بالعوامل الدينية والإثنية. الأمر هنا يتعلق بتحول عبر عنه «برترناد بادي» بانتقال محور الحرب من قطب القوة إلى قطب الضعف، ويعني هنا المجتمعات الضعيفة التي تعود جذور الصراع فيها إلى تفكك البنيات المؤسسية للدولة، لا يمكن معالجة قضاياها بمنطق التدخل العسكري في مواجهة مجتمعات مسلحة وليس جيوشاً منظمة. الوهم الكبير في كلام أوباما هو الرهان على إيران كقوة إقليمية قادرة على الإسهام في حل أزمات المنطقة، والحال أنها مسؤولة مباشرة عن توتير أوضاع الإقليم وتأجيج الفتنة الطائفية فيه، وما غاب عن كلامه في نقده غير الموضوعي للدول العربية هو الإقرار بخذلانه لحلفاء أميركا العرب وتخليه عن التزاماته إزاء الوضع الفلسطيني والقضايا العربية الأخرى في خطابيه الشهيرين في القاهرة واسطنبول في بداية حكمه. وحاصل الأمر نستخلصه من عبارات أوباما وتلميحاته، وهو حالة العجز الأميركي في إدارة الملفات الدولية، وفي مقدمتها ملفاتنا العربية المتفجرة، مما يعزز الوعي العربي المتزايد بضرورة بناء وتدعيم النظام العربي على أسس الشراكة والتحالف التي عكستها بعض المبادرات الأخيرة كان أبرزها في الأسبوع المنصرم مناورات «رعد الشمال» في حفر الباطن.