في إطار محاولاتي الدائبة لمتابعة المرشحين الرئاسيين الأميركيين المحتملين عبر الولايات المختلفة، أحاول بقدر ما وسعني الجهد ألا تضيع مني فرصة زيارة المدن، والبلدات، والقرى الأميركية التي تحمل اسم" موسكو". روسيا لديها بالطبع مدينة واحدة هي العاصمة موسكو وهي بالمناسبة مسقط رأسي. أما أميركا فلديها في الوقت الحالي، ثماني مدن تحمل هذا الاسم؛ وهي مدن كبيرة لدرجة تكفي أن يُخصص لها رمز بريدي مستقل، ولكن هناك أيضاً عشرات المدن الأخرى المسماة "موسكو" ظهرت واختفت عبر السنين. وهذا سبب من ضمن الأسباب، التي تجعلني لا أشعر بالقلق كثيراً حيال محصلة الانتخابات الأميركية. ذلك لأن أميركا قادرة دوماً على تغيير الأشكال والمسميات، وهي دولة في حالة حراك دائم على نحو لا يتيح الفرصة لأي خيار( انتخابي)، مهما بلغت رداءته أن يكسرها. بالنسبة لأجنبي، يكون هذا الإحساس بعدم الديمومة جارفاً. فأنت كأجنبي تحس به من خلال رؤيتك للطرق السريعة الواسعة، والمستقيمة التي تمتد عبر أراضٍ مسطحة تبدو لانهاية لها؛ وتحس به أيضاً من خلال المدن الممتدة على شبكات طرق متشعبة، والمكتظة بأنماط معمارية عشوائية مُجمّعة على نحو عاجل ومن دون نظام؛ وتحس به كذلك من خلال أطول القطارات التي يمكن أن تراها في أي مكان آخر غير أميركا، والتي ما عليك سوى القفز على إحدى عرباتها، والذهاب إلى أي مكان يمكن أن تأخذك إليه. ولكن يجب أن نضع في اعتبارنا أن عدم الديمومة والاستمرار ليسا مجرد شعور فحسب، وإنما هي واقع متجسد على الأرض. موسكو عاصمة روسيا مدينة قاسية، ذات إيقاع محموم، يبلغ تعداد سكانها حسب الأرقام الرسمية (وهي بالمناسبة أقل من الواقع بكثير) 12 مليوناً من البشر. أما المدن التي تحمل الاسم نفسه في الولايات المتحدة فموجودة في ولايات: اركانسو، وإيداهو، وإيوا، وكانساس، وأوهايو، وبنسلفانيا، وتينيسي، وتكساس بالإضافة إلى مدينة صغيرة يطلق عليها "موسكو ميلز" تقع في ولاية ميسوري. وبحسب "إيرينا فاسيلييف"، عالمة الجغرافيا في جامعة "نيويورك ستيت" فإن 49 مدينة صغيرة وقرية أميركية، استخدمت اسم موسكو منذ عام 1800. ليس هذا فحسب، بل إننا نجد أن ما يعرف بـ" نظام الأسماء الجغرافية الأميركي" يبين أن هناك عدداً أكبر بكثير من العدد الذي ذكرته فاسيليفا، ولكنه كان في معظمه عبارة عن مدن صغيرةً للغاية بحيث كان يجرى اعتبارها بالكاد كقرية. مدن تعكس التطور الأميركي وقصة هذه المدن، هي تصوير حي لطبيعة أميركا المتنقلة، والعابرة . ففي هذا الأسبوع، قدت سيارتي إلى موسكو، تكساس، وهي قرية صغير عدد سكانها 170 نسمة تقع في "بولك كاونتي" في شرق تكساس. وعندما وصلت إلى هناك، لم أر أحد على مدى البصر. كل ما رأيته كان كنيسة معمدانية مغلقة، ومكتباً مغلقاً أيضاً مثبت عليه لافتة مكتوب عليها بحروف كبيرة "شركة موسكو للإمداد بالمياه". الشارع الضيق بالقرية لم يكن يوحي أنه بالإمكان رؤية أي أحد، وكل ما كان فيه كان عبارة لوحة كبيرة مكتوب عليها نداء موجه لسكان القرية يدعوهم لتأييد "مايك نيتلز" في انتخابات الترشيح لمنصب "الشريف". عدت مرة أخرى إلى الطريق السريع رقم 59، كي أجد المطعم الوحيد بموسكو، وهو مطعم "بيج جيكس ويسترن دايف". عندما دلفت إلى المطعم وجلست على أحد مقاعده، قدمت لي النادلة كوبا من الليمونادة، وعندما سألتها عن اسم المدينة، اكتفت بهز كتفيها علامة عدم المعرفة، ونصحتني بالتحدث إلى الطاهية قائلة:"إنها أكبر مني سناً بكثير، وعاشت في هذا المكان طيلة حياتها". ولكن الطاهية الممتلئة الجسم، والمبتسمة الأسارير، التي كانت تقف في المطبخ، لم تكن أكثر معرفة من النادلة بكثير بشأن تاريخ القرية كما كنت أتوقع. فكل ما قالته لي هو: "إنني أعيش هنا منذ عشرين عاماً وكان اسم القرية دائماً هو موسكو. وعلى ما يبدو أن مشاعر خيبة الأمل التي أحسست بها انعكست بشكل واضح على وجهي مما دفعها لإدارة قرص التليفون من باب المساعدة. انتهى بي المطاف إلى أن وجدت نفسي أقود سيارتي متوجهاً للمكتبة العامة في المدينة التالية، وهي مدينة" كوريجان، حيث استخرجت "لا دونا راي" مديرة المكتبة عندما سألتها عن تاريخ البلدة، حزمة من نسخ الأوراق المصفرّة اللون، المضمومة معاً بماسك معدني صدئ، مكتوب عليها بخط واضح "ذكريات موسكو خلال الفترة من 1841-1961"، وهو عبارة عن عمل تطوعي قامت به جمعية الآباء والمدرسين، التي لم تعد موجودة الآن لمدرسة موسكو الابتدائية. قرأت في هذه الأوراق ما يلي: "في بداية عام 1840 بنى ديفيد جرين، الذي حارب إلى جانب سام هوستون، من أجل تحرير تكساس، منزلاً، وورشة حدادة، على الطريق الذي كان يصل بين معبرين على نهري سابين وترينيتي. وسرعان ما تبعه مستوطنون آخرون هم عائلات بيرتتشيس، وهيكمانز، وكليبورن، وهولشاوسين، ومورز ميكينز، وإيلام البريتون. كان جرين يريد أن يسمى بلدته جرينفيل، ولكن ناظر مكتب البريد المحلي، قال له (إن هناك بالفعل بلدة بهذا الاسم تقع على مسافة ليست بالبعيدة. ولما كان جرين في الأصل من مواليد مدينة موسكو، بولاية تينيسي، فإنه اختار أن يسمى المكان الجديد على اسم مسقط رأسه، فعلى الأقل- كما اعتقد- كان اختياره لهذا الاسم سيضمن له أن البريد المرسل له سيصل إليه). "بين النهرين" وموسكو، تينيسي، أيضاً ليست مسماة على اسم مسقط رأسي( عاصمة روسيا) . فسكانها يعتقدون إن الاسم مجرد تحريف لكلمة هندية تعني" بين النهرين". وليس من المعروف، على وجه اليقين، كم من المدن التي تحمل اسم موسكو سُميت بالفعل على اسم مسقط رأسي. "موسكوسو" البحث الذي أجرته فاسيلييف، يظهر أن المدينة التي تحمل هذا الاسم والموجودة في ولاية اركنساو، وكذلك مدينة "موسكو ميلز" في ولاية ميسوري، ربما يكونا قد استمدا اسميهما على الأرجح منها. أما المدينة الموجودة في كنساس، فقد سُميّت أصلاً على اسم أحد الضباط الذي كان اسمه الأخير "موسكوسو"، وبعد ذلك ارتكب أحد الكتبة خطأ في كتابته فتحول إلى موسكو. وهناك أيضاً قصة "سام نيف، المولود بالقرب من موسكو، بنسلفانيا، والذي كان مسؤولاً عن إعادة تسمية وادي بارادايس في إيداهو، وتحويله إلى اسم موسكو. وبعد ذلك انتهى به المطاف إلى الإقامة في موسكو، إيوا، وعلى ما يبدو أنه كان معجباً بإيقاع الاسم. الأميركيون هم قوم دائبو الحركة، يتحركون من مكان إلى مكان، بصرف النظر عن اسم هذا المكان. كانوا كذلك دائماً، وما زالوا حتى اليوم. ففي الفترة ما بين عامي 2014-2015، غير ما يزيد على 28 مليون أميركياً أماكن سكنهم، من بينهم أكثر من عشرة ملايين انتقلوا إلى مقاطعة، أو ولاية أو حتى دولة مختلفة. وفي عام 1913، انتقل جميع سكان مدينة موسكو، بولاية كانساس، ثمانية أميال من أماكن سكنهم إلى مكان آخر كي يكونوا أكثر قرباً من خط سكك حديدية جديدة. موسكو، تكساس كان لها أيام مجدها في أواخر القرن التاسع عشر. فتلك المدينة، كانت واحدة من المدن التي شملتها الموجة الأولى من مدن الولاية التي تم إدماجها. بحلول عام 1899، أصبح لموسكو ليس سكك حديدية واحدة، وإنما سكتان تمران عبرها. كانت موسكو قد أصبحت مدينة مزدهرة، مشهورة بورش نشر الأخشاب، التي كانت تنتج الأعمدة الخشبية الضخمة للكنائس المهيبة- من ضمن أنشطة أخرى عديدة. وكان يوجد بها أكاديمية، يحضرها طلاب قادمون من مدن أخرى، وصحيفة محلية، وتشكيلة من المشاريع التجارية. لم يكن هذا كل شيء مع ذلك. فأوراق "مذكرات موسكو 1841-1961" تستشهد برواية رواها "سيدني إف. أدامز" المولود هنا عام 1881 فيما يلي نصها: "بعد أن انتهى العمل في إنشاء خط السكة الحديدية، الذي كان يعبر موسكو مباشرة، تم مد قضبان حديدية لخط سكك حديدية ضيق من المستودعات، إلى مركز المنطقة التجارية. كما كان لدى موسكو "سيارة الشارع" الخاصة بها، وهي عبارة عن عربة ذات عجلات تجرها البغال، وتستخدم لنقل الركاب والبضائع. وهذه السيارة كانت مزودة بمكابح عند كل طرف من طرفيها (حتى لا ترتطم العربة بالبغل عند السير في الطريق المنحدر الذي يقود للمستودع- كما قال لي السيد آدامز)؛ وكان يتم تغطية تلك العربات بغطاء من الكانفاس في الأحوال الجوية القاسية، وكانت مزودة بأربع عجلات، ومقاعد عبارة عن ألواح خشبية تكفي لجلوس عشرة ركاب أو حمل ثلاث بالات من القطن". خطوط السكة الحديدية هذه اختفت، شأنها شأن كل شيء آخر تقريباً. ولم يعد هناك مكان تسير فيه "سيارة الشارع"، كما انتقلت صناعة الأخشاب من المدينة وفي أعقابها السكان. أما أطفال المدارس القلائل الذين ما زالوا يعيشون هناك مع أسرهم، فيذهبون إلى مدرسة في"كوريجان" القريبة. هذا تقريباً هو المصير الذي انتهت إليه معظم المدن والقرى، التي كانت تحمل اسم" موسكو": فبعضها اختفى تماماً، وبعضها تقلص، واضمحل شأنه. فالمدينة التي تحمل هذا الاسم، والتي ذهبت إليها في ولاية إيوا، معرضة لخطر فقدان رمزها البريدي، بعد أن تبين للمسؤولين أنه ليس هناك معنى في إبقاء مكتب البريد الكائن فيها مفتوحاً بعد أن تضاءل عدد سكانها لحد كبير. موسكو ليس اسماً محظوظاً بدرجة كبيرة. ففي حين أن مدينتي الأم لا يمكن أن تفقده، إلا أن ذلك لا ينطبق على أبناء عمومتها الأميركيين؛ فالعديد منها أُعيد تسميتها بعد أن جرى استيعابها في مدن أكبر. وأكبر مدينة متبقية من المدن التي تحمل اسم موسكو، هي تلك الواقعة في ولاية إيداهو، وهي مدينة تضم جامعاً، ويبلغ عدد سكانها 24 ألف نسمة. فمن يعرف ما الذي يمكن أن يحدث مع ذلك: فهذه هي أميركا. فقد تقوم صناعة فجأة حول واحدة من تلك المدن والقرى، وتحولها إلى مدينة مزدهرة كما حدث مرات عديدة من قبل. أخبار الانتخابات الرئاسية التمهيدية تصل كل مكان في أميركا بالطبع، بما في ذلك موسكو تكساس. وفي المكتبة الواقعة في بلدة كوريجان القريبة منها تقول "لا دونا راي" إنها لم تحزم أمرها بشأن المرشح "الجمهوري" الذي ستختاره وتقول أيضاً: "معظم الناس الذين أتحدث إليهم يقولون إنهم يحبون ترامب... واعتقد أن ذلك يرجع إلى أسلوبه الذي يجعله يبدو كشخصية هوليوودية". هذا بالطبع ليس سبباً كافياً لوضع "ترامب" في البيت الأبيض. ولكن علينا أن نتذكر أن أي تغيير في أميركا لا يكون دائماً عادة. وهذا التغيير لو حدث- انتخاب "ترامب"- سيمر كما مر غيره من قبل. *محلل سياسي روسي مقيم في برلين ينشر بترتيب خاص مع خدمة"واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"