أزور ألمانيا هذه الأيام بدعوة من جمعية ثقافية ألمانية، وقد سمحت لي هذه الزيارة بلقاء عدد من المثقفين والسياسيين الألمان. وبينما يتحدث بعض هؤلاء المثقفين عن تاريخ ألمانيا ولهجاتها المتعددة، وعن التأثير الذي لا يزال قائماً للقبائل الألمانية الست، وانعكاساتها الثقافية والإقليمية والسياسية، ينشغل آخرون بالأزمة التي تعيشها البلاد نتيجة نزوح مليون لاجئ سوري إليها خلال عام واحد. وما مثله هذا النزوح الضخم من اللاجئين الذين يختلفون عرقياً ودينياً وثقافياً عن غالبية أبناء الشعب الألماني. وقد انعكست هذه الهجرة الضخمة على طبيعة الحياة السياسية في البلاد. فالحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم متحالف مع كل من الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري والحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي يميل إلى يسار الوسط، وتقود هذا التحالف العريض الحاكم أنجيلا ميركل المستشارة أو رئيسة الوزراء. فالتوتر بين الحزب الديمقراطي المسيحي وشقيقه البافاري على أشده. حيث يرى الحزب البافاري أن أغلبيته الحاكمة في الولاية فد تقلصت من 48? إلى 40?. وكذلك ظهر على السطح خلال العامين الماضيين حزب يميني جديد متطرف يسمي نفسه «حزب الخيار الألماني» وتقود هذا الحزب المتطرفة «فروك بيتري» وهي وإن كانت لا تمثل التيار النازي، إلا أنها عنصرية ضد المهاجرين واللاجئين. وكان البرنامج السياسي للحزب في الماضي يطالب بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وعدم تقديم القروض للاقتصادات المتردية مثل الاقتصاد اليوناني. أما وقد لجأ إلى ألمانيا نحو مليون لاجئ سوري خلال عام واحد، فقد انتهز هذا الحزب حنق بعض الناخبين وحاول الاستفادة منه في الساحة السياسية. فقد أظهرت الانتخابات المحلية في ثلاث مقاطعات ألمانية في الأسبوع الماضي أن هذا الحزب قد جمع عدداً من الأصوات التي كانت تقليدياً تذهب للحزب الديمقراطي المسيحي. فقد كسب الحزب الجديد في ولاية سكسونيا 24? من الأصوات مقابل 29? للحزب الديمقراطي المسيحي. كما نجح أيضاً الحزب الجديد في كسب مقاعد محلية في ولايتين أخريين في غرب ألمانيا. وتدعو زعيمة الحزب «فروك بيتري» إلى منع اللاجئين الأجانب من الدخول إلى ألمانيا، وأن تسمح الحكومة لحرس الحدود بإطلاق النار على المتسللين الذين يدخلون البلاد من دون إذن رسمي أو تأشيرة دخول. وتعتبر هذه السيدة مرآة للمترشح «ترامب» في الولايات المتحدة، وتخشى الأحزاب الرئيسة الألمانية أن يزايد هذا الحزب عليها في الانتخابات الوطنية التي ستعقد في سبتمبر من عام 2017، ولذلك فإن قادتها يرون أن الصعود الحالي المحلي لذلك الحزب هو بمثابة ناقوس إنذار لهم. وموضوع الهجرة عموماً موضوع ساخن ليس على الساحة السياسية الألمانية فحسب بل على الساحة السياسية الأوروبية بشكل عام، وسيعقد الزعماء الأوروبيون مؤتمر قمة نهاية هذا الأسبوع مع نظيرهم التركي، وسيحاولون إقناعه بمساعدة أوروبا في لجم الهجرة غير القانونية عبر حدود تركيا البحرية مع اليونان، على أن تساهم أوروبا في دعم الخزينة التركية بمبلغ ثلاثة مليار دولار لمواجهة أعباء تحمل 2,5 مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا. كما تأمل ألمانيا أيضاً في إقناع شركائها الأوروبيين بتوزيع هؤلاء اللاجئين بحصص معينة على بلدان الاتحاد، وهو ما تعارضه بقية الدول الأخرى، خاصة منها بلدان شرق أوروبا. والقانون الألماني منذ أكثر من قرنين من الزمن لا يجرم الهجرة غير الشرعية أو يمنع استقبال اللاجئين، خاصة أولئك الهاربين من جحيم الحرب. وما زالت المستشارة الألمانية تؤمن بهذا المبدأ وتطبق هذه السياسة، غير أن منتقديها ومنافسيها من أقصى اليمين يتحدّونها ويدفعون بأجندة عنصرية تجد بعض الأحيان آذاناً صاغية، خاصة في بعض الولايات التي تعاني من البطالة على الرغم من أن الوضع الاقتصادي العام في البلاد عموماً وضع جيد، وأن العاطلين عن العمل لا يتعدون مليونين ونصف المليون عاطل. وهم يرون أن هؤلاء اللاجئين الجدد ينافسونهم على الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الحكومة. ويقدر بعض المختصين الألمان أن هؤلاء اللاجئين سيجدون صعوبة في التأقلم والانصهار في المجتمع الألماني، خاصة بالنسبة للغة ونقص التعليم الذي يعانيه معظم هؤلاء اللاجئين. وربما تمر فترة خمس إلى عشر سنين قبل أن يتم انصهارهم واستيعابهم في المجتمع الألماني، وفي سوق العمل. وإشكالية اللاجئين التي تعانيها بلدان الاتحاد الأوروبي لن تحل بسهولة طالما استمرت الحرب السورية. ويشعر بعض الأوروبيين بأن الرئيس الروسي بوتين يمارس نوعاً من الضغط عليهم باستخدام ورقة اللاجئين للحصول على تنازلات في المسألة الأوكرانية، ولرفع العقوبات المفروضة على بلاده. ولذلك يسعى الأوروبيون إلى إيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية في محادثات جنيف الحالية. ويأمل الجميع أن تنتهي تلك الحرب، ويتوقف الأسد عن الاستمرار في قتل المزيد من شعبه. ------------- أستاذ العلوم السياسية- جامعة الملك سعود