يعتقد البعض أن الاحتلال دائماً يجب أن ينفذ بصورة استعمارية على الأرض، بمعنى أن تحتل قوات دولة استعمارية أرض دولة أخرى، وتسيطر على كل مجالات النشاط الإنساني الداخلي والخارجي فيها، وكل هذا له ما يوضحه في القانون الدولي، ولكن في اعتقادي أن الاحتلال الحقيقي هو السيطرة الكاملة لشعب دولة ما على فكر وعقل وسلوك شعب آخر، ويجعلـــــه يتحــــرك وفق إرادته ومصالحه وأهدافه• أي إن الاحتلال هنا معنوي ونفسي واعتباري، وليس احتلالاً مادياً وفعلياً على الأرض، وبهذا المعنى فإن العراق قد احتل أميركا• لقد احتل العراق الولايات المتحدة الأميركية على أربعة مستويات، الأول هو الإدارة الأميركية ذاتها ممثلة في الرئيس بوش وأعضاء إدارته المعنيين بالمسألة العراقية، والمستوى الثاني وسائل الإعلام الأميركية بكل أطيافها وتوجهاتها، والمستوى الثالث مراكز الأبحاث والدراسات والاستشارات الأميركية، التي يطلق عليها (think-tanks)، والمستوى الأخير هو الشعب الأميركي ذاته.
فعلى مستوى الإدارة الأميركية أصبح العراق الشغل الشاغل للرئيس بوش الابن الذي لا يملك استراتيجية واضحة متكاملة تجاه الملف العراقي، فنجده تارة يكلف وزارة الدفاع بمسؤولية العراق، وتارة أخرى يكلف وزارة الخارجية بها، ثم يجعلها مسؤولية مشتركة بين الوزارتين، وأخيراً يعلن تكليف “كوندوليزا رايس” مستشارته للأمن القومي بالملف العراقي• كل هذا لأن العراق بات هاجساً يومياً يؤرق الرئيس بوش ومرتبطاً بمستقبله السياسي في الانتخابات القادمة• ومما يزيد من عبء الموضوع ويجعله يحتل مساحة كبيرة في فكر وسلوك الرئيس الأميركي وإدارته، هي التكلفة المالية للوجود العسكري الأميركي في العراق والتي أصبحت تزيد على سبعة مليارات دولار شهرياً، ناهيك عن الخسائر المادية والبشرية اليومية في هذه القوات، والحاجة إلى مشاركة قوات خارجية لرفع العبء عن كاهل القوات الأميركية من ناحية، وتحمل قدر من الخسائر من ناحية أخرى، فضلاً عن مطالب تكلفة إعادة إعمار العراق والتي تقدر في أقل مستوياتها بنحو المئة مليار دولار• ويزداد الأمر تعقيداً عندما نرى تزايد حدة الصراع الداخلي بين مسؤولي الإدارة الأميركية وكل منهم يحمل الآخر مسؤولية ما وصلت إليه الأمور حتى الآن ويتنصل من مشاركته فيها، وأن أحداً لو استمع لحكمته ورويته لكان الوضع مختلفاً، بل إن الصراع يجري داخل أروقة البنتاجون نفسه، صاحب المسؤولية الرئيسية في احتلال العراق لأميركا، حيث يتبادل العسكريون والمدنيون وعلى رأسهم وزير الدفاع “رامسفيلد” الاتهامات حول مسؤولية ما حدث، ويحاولون التوصل إلى إجابات حول أسئلة عدة ملحة: هل نبعث بقوات إضافية إلى العراق أم لا؟ وكيف ستتحمل ميزانية وزارة الدفاع تكلفة هذه الحرب؟ وإلى أي حد سيتم تحمل الخسائر البشرية الأميركية المتصاعدة في العراق؟ فماذا نقول عن هذا الاحتلال العراقي الذي ترسخ في فكر ووجدان وسلوك الإدارة الأميركية، وخاصة في حملتها المحمومة للإسراع بإصدار قرارات من الأمم المتحدة عساها تخفف من عبء هذا الاحتلال عن كاهلها•
أما على مستوى وسائل الإعلام الأميركية فالأمر مختلف إلى حد بعيد، لأن الاحتلال العراقي لأميركا وفر فرصة كبيرة لكل الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة لتصفي حساباتها الداخلية والخارجية من ناحية، وتجد مادة إعلامية يومية تغذي شوق المتلقي للإثارة والتذمر من ناحية أخرى•
فجميع وسائل الإعلام الأميركية قد جعلت من أحداث العراق شاغلها الشاغل الذي تتعرض فيه لإخفاقات وفشل الإدارة الأميركية في التعامل معها، والأخبار العاجلة آتية دائماً من العراق حول الانفجارات والخسائر البشرية ومحاولات الاغتيال والعمليات التي تقوم بها العناصر الموالية لصدام حسين والمتطرفين، كما يسميهم الإعلام الأميركي، وتدهور الوضع الأمني، وتراجع الحديث عن النجاحات والانتصارات التي تحققها القوات الأميركية على أرض العراق، وأصبحت الرسالة الإعلامية أكثر تشاؤماً وأكثر توقعاً للأسوأ، أي إن العراق بات يحتل وسائل الإعلام الأميركية ليس من منطلق الفرحة بالنصر بل من منطلق التورط والمصير الغامض• وفي ظل احتدام أزمة الوضع الأميركي في العراق، ظهرت في وسائل الإعلام الأميركية حملات لتصفية الحسابات سواء مع أشخاص أو مؤسسات أو دول، من خلال محاولات ربطها بما حدث في العراق سابقاً أو توريطها فيما يحدث في الوقت الراهن، ودائماً الحوارات جاهزة والشهود موجودون والوثائق لا تكذب• وبالطبع يجب ألا يغيب عنا موقف اللوبي اليهودي والجماعات الأميركية المتطرفة التي تقف وراء كثير من حملات الإثارة ضد الدول العربية والإسلامية تحت دعاوى عدم اختلافها كثيراً عن العراق، وإنها التي ضعفت أمام المارد العراقي ودفعته إلى سطوته والاستكانة لجبروته، مما تطلب التضحية الأميركية لإنقاذ العراق من براثن الظلم، ولكن سرعان ما تحولت التضحية الأميركية إلى قاتل ومدمر يخالف الشرعية الدولية، ويصبح الوضع عكسياً وتطلب الضحية من العراق أن يرحل عن تفكيرها