«تحولات المشهد السياسي في إيران على ضوء الاتفاق النووي والانتخابات التشريعية» كانت موضوع ورشة عمل نظمها الأسبوع الماضي «مركز الإمارات للسياسات» بالعاصمة أبوظبي، وهذه التحولات ستترتب عليها دون شك تداعيات مهمة ستجد لها انعكاسات محلية وإقليمية ستؤثر في تطورات الأحداث على أكثر من صعيد. وعلى الرغم من أن تطورات المشهد السياسي هيمنت على مداولات الورشة من خلال مناقشة التغيرات التي يمكن أن تطال البنية الفوقية، بما في ذلك صراع مراكز القوى داخل النظام الإيراني ضمن ما يُسمى بالمحافظين والإصلاحيين، وبالأخص بعد الانتخابات الأخيرة، فإن المشهد الاقتصادي ممثلاً في البنية التحتية الأساسية للمجتمع ستبقى المحدد الأساسي للتطورات العامة للأوضاع في إيران بعد الاتفاق النووي والانتخابات التشريعية. والمشهد الاقتصادي في إيران سيئ للغاية، كما تشير إلى ذلك البيانات الرسمية، بما في ذلك بيانات المصرف المركزي، فالرئيس روحاني قال بعد تسلمه السلطة من سلفه أحمدي نجاد المتهم بالفساد حالياً «إنه تسلم خزينة الدولة فارغة» جاء هذا التصريح وأسعار النفط في قمتها وتتجاوز 100 دولار للبرميل، فما بالك الآن والأسعار في الحضيض. أما بيانات المصرف المركزي الإيراني، فتشير إلى تحقيق معدل نمو سلبي بلغ 6.8% قبل عامين و2.5% في عام 2014، في حين وصلت البطالة إلى 30% ويعيش نصف السكان تحت خط الفقر بسبب انهيار العملة الإيرانية وهروب رؤوس الأموال وتدهور قطاعات مهمة، كالسياحة والنقل والتجارة وهيمنة الحرس الثوري ومؤسسات المرشد على مفاصل الاقتصاد وتهربهم من دفع الضرائب والرسوم. يضاف إلى ذلك استنزاف مالي كبير ناجم عن تمويل تدخلات إيران في الشؤون العربية، وبالأخص في سوريا واليمن والعراق وبعض دول الخليج وتمويل منظمات تابعة لها، مما يكلف الخزينة الإيرانية مبالغ طائلة ويشكل استنزافاً مستمراً لقدراتها المالية. أما الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وإمكانية استقطاب رؤوس أموال أجنبية بعد توقيع الاتفاق النووي فسوف يتوقف على مدى استعداد إيران لنبذ الإرهاب والتدخل في شؤن الآخرين ومدى تطويرها لأنظمتها وتشريعاتها الاستثمارية، فحتى الآن تركز اهتمام الشركات الأجنبية على التطلع للاستثمار في قطاع الطاقة (النفط والغاز) بصورة أساسية، وذلك خوفاً من تدخلات الحرس الثوري ومؤسسات المرشد في الشأن الاقتصادي، وكذلك من أية تطورات داخلية وإقليمية غير متوقعة. وكدليل على هذا التوجه يمكن الرجوع إلى تصريح رئيس شركة النفط الفرنسية «توتال» الذي قال بداية الشهر الجاري إن شركته «ستكتفي في الوقت الحاضر بشراء النفط، إلا أنها لن تستثمر في قطاع الطاقة الإيراني حالياً». ذلك يعني أن هناك أوضاعاً اقتصادية داخلية متردية، زادها سوءاً انهيار أسعار النفط، رغم ارتفاع الإنتاج الإيراني، يضاف إليها تردد من قبل الاستثمارات الأجنبية للقدوم إلى إيران رغم الزيارات المتكررة للمسؤولين وممثلي الشركات الغربية والآسيوية، مما يعني أن إيران بسياستها الحالية ورغم رفع العقوبات ونجاح ما يسمى بـ«الإصلاحيين» في الانتخابات لن تتمكن من إحداث تغييرات مهمة في المشهد الاقتصادي، مما سيؤدي إلى احتدام التناقضات الداخلية والتذمر من الأوضاع الاقتصادية السيئة. الحكمة تقول إن إيران من دون التعاون مع بعدها الإقليمي لن تحقق ما تصبو إليه من تغير في أوضاعها الاقتصادية، فالتعاون في مجال الطاقة، على سبيل المثال، مع دول الخليج العربي يمكن أن يساهم في تثبيت أسعار عادلة للنفط ستستفيد منه البلدان المصدرة، إلا أن ذلك يتطلب اتخاذ إجراءات من الجانب الإيراني يعرفها جيداً قادة إيران الفعليين والممثلين في المرشد والحرس الثوري، وهو اتباع سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وحتى يتحقق ذلك، فإن إيران ستظل تعاني وتلهث دون جدوى خلف سراب إمبراطوريتها المزعومة.