لم تعد جهود مكافحة آفة الفساد مجرد ظاهرة مجتمعية تكتسي خصوصية استثنائية بالنسبة لكل بلد، حسب ظروفه، بل صارت ظاهرة استراتيجية، تلقي بظلالها على صعيد عالمي. ففي كل مكان من العالم، توجد حركات، في الغالب مرتبطة بالمجتمع المدني، تنشط في جهود التوعية والتعبئة ضد ممارسات الفساد كافة. وبشكل خاص ما كانت له صلة من تلك الممارسات بقادة سياسيين. وهذه الدينامية تمس القارات كافة، دون تمييز بين النظم السياسية، ولا بين المسؤولين السياسيين سواء من كان منهم منتخباً أو من وصل إلى السلطة بطرق أخرى. وهذه الظاهرة ذات المدى العالمي كانت من ثمار العولمة: فبفعل تحول العالم إلى قرية واحدة، ومع ظاهرة ازدياد الثروة العالمية، ظهرت بالتبعية حالات من الجشع وانفتاح الشهية لاقتطاع قطعة من كعكة الثروة العامة. ومن هذا المنظور، صار مجرد الوصول إلى السلطة طريقاً للإثراء أكثر من ذي قبل. ولكن، إن كان الفساد قد سمح لبعض القادة بالإثراء أكثر من سابقيهم، إلا أن عدد القادة الفاسدين الآن لا يقارن أيضاً بعددهم في أزمنة أخرى. ومعنى هذا الكلام أن ممارسات الفساد لم تصبح الآن أكثر انتشاراً مما كانت عليه في أزمنة سابقة، وإنما يكمن الفرق بين الحالتين في أن الشعوب باتت اليوم أكثر قدرة على الاطلاع بسرعة وبسهولة على تلك الممارسات، كما أنها صارت أيضاً أكثر حساسية لتبعاتها وأشد رفضاً لها. اليوم باتت وسائل الاتصال والمعرفة تتيح الاطلاع على ممارسات الفساد بسهولة، وهو ما لم يكن متاحاً من قبل، حيث كانت قنواته سرية، والمعلومات المتعلقة به غير مفتوحة أمام الجمهور العريض. وقد لعب تطور التقنيات الجديدة في مجال الإعلام والتواصل دوراً كبيراً في تبصير المواطنين العاديين بطرق تسيير وتدبير الأموال العامة، كما جعلتهم أيضاً أكثر قدرة على التعبئة بسهولة ضد أية ممارسات غير ملائمة. وفي هذا المقام قد لا نحتاج إلى المبالغة لو قلنا إن محاربة الفساد صارت اليوم لازمة سياسية مرتبطة بنيوياً بالدعوات إلى الدمقرطة، التي تكتسي هي أيضاً طابعاً عالمياً لا خلاف عليه. واليوم يوجد في ظل كل النظم، كائناً ما كان شكلها، رأي عام ومجتمع مدني ينشطان، بهذه الطريقة أو تلك، ضد أي ممارسات فساد، وهذا في كل مكان، بما في ذلك البلدان التي لا تختار شعوبها بشكل مباشر قادتها. وإذا كان الرئيس الصيني «شي جيبينغ» قد اختار أن يجعل محاربة الفساد أولوية سياسية بالنسبة له، فما ذلك إلا لوعيه العميق بأن هذا الأمر أيضاً يكتسي طابع الأولوية لدى مواطنيه كذلك. ولا شك في أنه لا يخامره أدنى قلق حول احتمال إعادة انتخابه في منصب القيادة، ولكنه يشعر أيضاً بأنه في حاجة، من أجل الاستمرار في قيادة البلاد، إلى درجة معينة من التأييد والقبول لدى الصينيين، لم يكن «ماو تسي تونغ» في حاجة إليها في زمنه. والحال أن الدول البازغة - التي تختلف طبيعة النظم السياسية فيها بقوة - هي الأكثر حساسية خاصة تجاه هذه الحركات المناهضة للفساد، وهي كلها تشترك في مؤشرات كاشفة منها: تراجع وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي منذ عدة سنوات؛ وبزوغ طبقة وسطى تمتلك كل وسائل الاطلاع وقادرة أيضاً على إسماع صوتها. ومن زاوية النظر هذه لكل من الهند، والبرازيل، والصين، والمكسيك، وماليزيا، أكثر من قاسم مشترك، بغض النظر عن اختلافاتها السياسية الأخرى. والمجتمعات المدنية فيها يزداد دورها وحضورها وفق ثلاثة محددات، هي التي تترتب عليها خصوصية استجابة السكان ضد الفساد: درجة النمو الاقتصادي، ودرجة انتشار القراءة والكتابة بين السكان، والتاريخ الخاص بكل بلد على حدة. والسؤال الآن: هل ستكسب الحركات المناهضة للفساد الرهان في النهاية؟ يمكن استشعار نوع من التفاؤل، ولكن ينبغي ألا يكون أيضاً مُفـْـرطاً. فليس بالضرورة أن يكون في وسع الحركات المناهضة للفساد أن تسقط دائماً الحكومات الفاسدة. ومع هذا ففي الهند، ونيجيريا، خاصة لعبت الاتهامات - ذات الأساس - بالفساد، أحياناً دوراً ملموساً في الواقع لدعم التناوب على السلطة. وكذلك الحال مثل هذا تماماً في غواتيمالا، وبنما، وإن كان ذلك أيضاً مع كثير من عدم اليقين بأن النظامين الجديدين سيسيران في اتجاه معاكس كلياً للنظامين السابقين. وفي أوكرانيا، كانت «حركة ميدان»، ذات التوجهات الموالية لأوروبا، ترفع مطالب بتسيير الحكم بشكل بعيد عن الفساد، ولكن الآمال أحبطت والحركة سُلبت. وبعبارة أكثر إيجازاً وأدق معنى: هل بات على القادة اليوم أن يكونوا أكثر حذراً؟ حتى إذا لم يكن في مقدور المجتمعات المدنية، بشكل دائم، وضع حد لوجود القوى والنظم الفاسدة، فقد بات هؤلاء تحت المراقبة، على كل حال. صحيح أن المعركة الدولية ضد الفساد لم تحسم بعد، ولكنها انطلقت فعلاً بقوة. وفي الأفق أيضاً، دون شك، معركة أخرى مقبلة ضد التهرب الضريبي.