إذا تمكن دونالد ترامب من تعزيز وضعه باعتباره المرشح الأوفر حظاً في بقية الانتخابات التمهيدية على مستوى الحزب الجمهوري، فتوقع أن يبدأ عدد أكبر ومتزايد من الجمهوريين في إقناعك، وإقناع أنفسهم، بأنه ليس ثمة ما يستدعي الخوف من دونالد ترامب الحقيقي! فترامب يُظهر لنا أحياناً أنه يستطيع أن يبدو شخصاً عاقلًا وتصالحياً، بل وحتى متسامحاً عندما يريد ذلك. وأحياناً أخرى يخبر مستمعيه، في ما يشبه التفكير بصوت عالٍ، بمدى رغبته في لكْم أحد المحتجين في وجهه. ولكنه بعد ذلك يستطيع شجب عنف أنصاره، وإنْ كان لا يخفي تعاطفه معهم أيضاً. ولم تكن لدى بعض الجمهوريين مشكلة مع أي من النسختين منذ البداية. ولعل رينس بريبس، رئيس اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، نموذج للمسؤول الذي لا يلقي بالًا لهذه الأمور، إذ يرى أن تعصب ترامب وشعبويته ليسا مهمين كثيراً: «إن الفوز هو الترياق بالنسبة لأشياء كثيرة في السياسة». وبيد أن هناك ترامباً واحداً فقط، وإذا واصل الفوز في هذه الانتخابات التمهيدية، فتوقعوا أن تسمعوا نظريات كثيرة تشرح كيف أن تلك الشخصية المتفردة غير مؤذية في الواقع. إذ سيشير بعض السياسيين إلى جهل ترامب الواضح باعتباره نعمة: شخص قليل المعرفة سيسترشد ويستعين برأي الخبراء والمستشارين إذا ما انتُخب للرئاسة. هذا بينما سيجد آخرون العزاء في هوية ترامب كرجل أعمال متعود على التفاوض وعقد الصفقات، أي أنه رجل يعلن عن مواقف يعلم علم اليقين أنه لابد من تعديلها لاحقاً. وعليه، فإن الجدار الذي يقترح بناءه على الحدود مع المكسيك ربما لن يكون مرتفعاً جداً! وربما سنتقاسم فاتورة بنائه مع المكسيك! وقد لا نرحّل 11 مليون شخص، ولكن 5 ملايين فقط. وثمة آخرون سيحاولون طمأنتنا، وطمأنة أنفسهم، بأن ترامب لا يمكن أن يقصد الأشياء التي يقولها. ذلك أنهم يعرفون شخصاً يعرف شخصاً آخر حضر أحد تجمعاته الانتخابية ووجد أنه رجل طيب، وأن الكراهية لا تملأ قلبه ولا تعمي بصره في النهاية. بيد أن الحقيقة هي أن التعصب والشعبوية هما اللذان أوصلا ترامب إلى هذه المرحلة من السباق، وهو لا يستطيع التخلي عن جذوره. فهو رجل قفز إلى عالم السياسة عبر استغلال شكوك وتخوفات الناخبين من أن أول رئيس أسود لأميركا لابد أن يكون مولوداً في الخارج. ثم قفز إلى مقدمة الميدان الجمهوري عبر وصف المكسيكيين بالمغتصِبين. وكلما شعر بأن حملته تحتاج دفعة، يجد طريقة قبيحة لتوفيرها -عبر السخرية من النساء، وتهديد المنتقدين، وتأييد التعذيب. والحال أن الرجل الذي يكتسب القوة عبر ازدراء الديمقراطية والخطاب المتحضر لن يكون حساساً تجاه المواضيع المختلفة عندما يزداد قوة. بل العكس هو الأرجح. ففي الأسبوع الماضي، وبينما كنا نحتفي بالأدب الجديد المفترض لحملته الانتخابية، عاد ترامب مرة أخرى إلى الإساءة إلى دين بكامله حيث قال للصحفي أندرسون كوبر من قناة «سي. إن. إن»: «أعتقد أن الإسلام يكرهنا». وخلال المناظرة التي عقدت تلك الليلة، سُئل حول ما إن كان يقصد كل المسلمين ال1,6 مليار، فكان جوابه: «أقصد الكثيرين منهم. أقصد الكثيرين منهم». ثم أردف قائلا بطريقته المعهودة التي تنهل من نظرية المؤامرة: «هناك شيء ما يجري ربما لا تعرفه، ربما لا يعرفه كثيرون، ولكن ثمة كراهية كبيرة جداً». وهذه الأفكار كشفت عن استعداد ورغبة كبيرين في تشويه السمعة وإشاعة الصور النمطية، غير أن الردود التي أثارتها تُظهر إلى أي مدى تمكن ترامب من جر الحملة إلى مستواه المتدني، خالقاً ما بات يبدو وضعاً عادياً جديداً وخطيراً. ذلك أنه عندما تعهد في الخريف الماضي بمنع كل المسلمين من دخول الولايات المتحدة، كان ذلك صادماً ووحّد الجمهوريين في التنديد به. أما هذه المرة، فقد كان رد الفعل محتشماً، حيث كان رد ماركو روبيو الأول أن اعتبر أن تصريح ترامب يصعّب مهمة المبشرين المسيحيين في بنجلاديش. أما اعتراض تيد كروز، فكان أن ترامب ليس صارماً وحازماً بما يكفي مع ملالي إيران. والواقع أنه من السهل تخيل كليهما يتصالحان مع المرشح ترامب، مثلما سبق لهما أن تعهدا بذلك، ومن السهل تخيل انضمام زعماء جمهوريين آخرين إليهما. وبالنظر إلى قصر ذاكرتنا، فإن أي شخص يذكّر الناس بلحظات ترامب القبيحة في الخريف الماضي، أو حتى في الشهر الماضي، سيتعرض للانتقاد ويُتهم بالارتهان للماضي وإثارة النعرات. وهو ما قد يجعل الأمل الوحيد في إنقاذ البلاد من ترامب... هو ترامب نفسه. غير أن هذا الأخير قد يجد خلال الأسابيع والأشهر المقبلة صعوبة كبيرة في الحفاظ على صورة «الشخص المفكر»، مثلما جاء في إطراء كارسون له المثير للريبة، وسيجد صعوبة كبيرة في كبح نرجسيته، وصعوبة أكبر في إخفاء جهله، وصعوبة مماثلة في منع أحكامه المسبقة من أن تخرج إلى العلن وتفضحه. ولكن الأمل هو ألا يجد الجميع حينها سهولة كبيرة في تبني أسطورة أن ثمة نسختين من دونالد ترامب! ------------ محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»