«نعلن تعيين أحمد أبو الغيط أميناً عاماً لجامعة الدول العربية لمدة خمس سنوات اعتباراً من أول يوليو القادم». هذا ما قاله الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية البحرين ورئيس جلسة اجتماع وزراء الخارجية العرب، الخميس الماضي في القاهرة، حيث أفضى الاجتماع إلى اختيار أبو الغيط أميناً عاماً جديداً للجامعة، محل مواطنه نبيل العربي الذي اعتذر عن الترشح لولاية ثانية على رأس الجامعة. وبعد إعلان تعيينه، توجه أبو الغيط بالشكر لكافة القادة العرب الذين أيدوا ترشيحه، وقال إنه يستشعر القدر الأكبر من العرفان والتقدير للثقة التي أولاها له الرئيس عبد الفتاح السيسي لتولي هذا الموقع الهام، وأعرب عن إدراكه حجم المسؤولية وثقل التكليف الملقى على عاتقه في ظل وضع عربي غير موات، متعهداً ببذل كل جهد ممكن لمصلحة العمل العربي المشترك. وأبو الغيط دبلوماسي مصري متمرس، خدم في الخارجية المصرية طوال أربعة عقود، وتولى قيادتها خلال السنوات السبع الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وقد ولد أحمد أبو الغيط عام 1942 في «مصر الجديدة» بالقاهرة، لعائلة تنحدر من بورسعيد. وفي القاهرة تلقى تعليمه والتحق بكلية التجارة بجامعة عين شمس ليتخرج منها عام 1964، ويلتحق في العام التالي بوزارة الخارجية، مبتدئاً مساره المهني الدبلوماسي، والذي توَّجه أخيراً بتولي أمانة الجامعة العربية. وقد عين أبو الغيط عام 1968 سكرتيراً ثالثاً في سفارة مصر بقبرص، لكنه عاد إلى القاهرة عام 1972 كعضو بمكتب مستشار رئيس الجمهورية للأمن القومي. وبعد عامين عاد للخارجية سكرتيراً ثانياً في بعثة مصر لدى الأمم المتحدة، قبل ترقيته إلى سكرتير أول عام 1976. لكنه عاد في العام التالي إلى القاهرة كسكرتير أول لمكتب وزير الخارجية. ثم عاد للخارج مجدداً عام 1979 بتعيينه مستشاراً بالسفارة المصرية في موسكو، وبعد ثلاث سنوات أعيد للوزارة مستشاراً سياسياً خاصاً للوزير. ثم عين عام 1984 مستشاراً سياسياً لدى رئيس الوزراء، وفي العام التالي مستشاراً ببعثة مصر لدى الأمم المتحدة، قبل أن يصبح مندوب بلاده لدى المنظمة الدولية عام 1987. ومجدداً أصبح سكرتيراً سياسياً خاصاً لدى وزير الخارجية عام 1989، قبل تعيينه مديراً لمكتب الوزير عام 1991. وفي العام التالي عُين سفيراً لمصر لدى إيطاليا ومقدونيا ومنظمة «الفاو». وفي عام 1996 عين مساعداً لوزير الخارجية، وفي 1999 مندوباً دائماً لمصر لدى الأمم المتحدة، وفي 2004 وزيراً للخارجية خلفاً لزميله أحمد ماهر. في تلك السنوات شهدت المنطقة أحداثاً وأزمات جسام، مثل محاصرة ياسر عرفات في مقر المقاطعة، والارتدادات العنيفة للغزو الأنجلو أميركي للعراق عام 2003، والتي تصاعدت على شكل هجمات ضد القوات الأميركية، ثم الحملة العسكرية الواسعة على مدينة الفلوجة، والتصفيات المذهبية في بغداد وتقسيمها إلى مربعات طائفية. هذا علاوة على حرب لبنان صيف 2006، ثم حملة «الرصاص المسكوب» على قطاع غزة (ديسمبر 2008)، حيث قال أبو الغيط إن مصر حذّرت حركة «حماس» من أن إسرائيل سترد بأسلوب قوي على «الصواريخ العبثية» للحركة، وحمّل «حماس» مسؤولية ما حدث. ثم جاءت العواصف الداخلية التي شهدتها بعض الدول العربية وأدت إلى إسقاط نظام الحكم في تونس، وأعقبه نظيره في مصر بعد أيام قليلة على إعادة تعيين أبو الغيط وزيراً للخارجية في حكومة أحمد شفيق التي لم تعمر طويلا جرّاء الاحتجاجات التي أجبرت الرئيس على التنحي أخيراً لمصلحة مجلس عسكري تولى الحكم من بعده. وفي غمرة أحداث 25 يناير وصف أبو الغيط الحديث عن انتقال العدوى التونسية إلى مصر، بأنه «كلام فارغ»، موضحاً أن لكل مجتمع ظروفه الخاصة المغايرة لظروف المجتمع التونسي. ثم تحدث بعد الثورة عن أسباب اندلاعها، مشيراً إلى تزوير الانتخابات النيابية عام 2010، وتقدم سن الرئيس مبارك، والحديث المتواتر حول التوريث. ولعل فترة السنوات الأربع الماضية لأبوالغيط خارج المسؤولية الرسمية، سمحت له بتأمل الأحداث والمواقف وبناء نظرة كلية حول الوضع العربي، لاسيما في سياقه المؤسسي المشترك متمثلا في «جامعة الدول العربية» (بيت العرب)، وما يناط بها من واجبات في واقع متغير وحافل بالتحديات. فالجامعة العربية التي تأسست عام 1945، أي قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والاتحاد الأفريقي، وتضم اليوم 22 دولة عضواً، تمثل قوة وازنة باعتبار المجموع الحسابي للأوزان الديمغرافية والاقتصادية والجغرافية والعسكرية لأعضائها معاً، لكنها كمنظمة إقليمية تعد أقل المنظمات تأثيراً حتى داخل الدائرة العربية ذاتها، بما يعتمل فيها من ملفات ملتهبة ومفتوحة لمنظمات أخرى، لاسيما الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وتتعدد الأسباب وراء قصور الجامعة عن الإفادة من مقدرات العالم العربي لاكتساب طاقة النفوذ وقوة التأثير، بين سبب يتعلق بالاستقطابات السياسية الحادة والمزمنة بين الدول العربية، وآخر يتصل بمبدأ الإجماع الذي ينص عليه ميثاقها، فيما يعود سبب ثالث إلى طبيعة الجامعة كرابطة فوقية للحكومات، تفتقر لبرلمان منتخب على غرار الاتحاد الأوروبي. هذا علاوة على ضعف الوسائل المالية للجامعة، إذ لا ينتظم في دفع مساهمته السنوية سوى عدد قليل من الدول الأعضاء. وأخيراً يتعلق السبب الخامس بصلاحيات الأمين العام للجامعة نفسه، والذي لا تزيد وظيفته عن القيام بأعمال سكرتيريا القمة، والتسيير اليومي لبيروقراطية المقر. وقد تعاقب على الأمانة العامة للجامعة سبعة مصريين (أولهم عبدالرحمن عزام وآخرهم نبيل العربي)، إضافة إلى التونسي الشاذلي القليبي الذي تولى المنصب عام 1979 عقب نقل المقر إلى تونس إثر اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. وما أن عادت الجامعة إلى القاهرة (1990) حتى اختير لأمانتها وزير الخارجية المصري الأسبق عصمت عبدالمجيد، والذي أعقبه في المنصب سلفه في الخارجية المصرية أيضاً عمرو موسى. وعقب انتهاء المؤمورية الثانية لموسى، وكان ينافس على رئاسة مصر، أرادت دول عربية كسر قاعدة احتفاظ دولة المقر بمنصب الأمين العام، لكن سرعان ما توافقت الدول الأعضاء على الدبلوماسي المصري نبيل العربي. وبعد اعتذار الأخير عن الترشح لمأمورية ثانية، اعترضت ثلاث دول على أبو الغيط، مرشح مصر للمنصب، لكن القاهرة أجرت مشاورات مكثفة لإقناع الأشقاء العرب بالموافقة على مرشحها. وبحلول الخميس الماضي لم يبق سوى اعتراض واحد سحبه أصحابه خلال الجلسة المغلقة لوزراء الخارجية، حيث تم رسمياً إعلان أبو الغيط أميناً عاماً جديداً للجامعة. ورغم المعوقات الجمة لدور الجامعة والقصور البين في أدائها السياسي والاقتصادي على مر السنين، فإن أمينها العام الجديد مدرك ضرورة اضطلاعها بدور حيوي في منطقة تموج بالأزمات السياسية والأمنية العاصفة. لذلك نقل عنه القول بأنه سيبدأ فوراً بمتابعة تفاصيل القضايا التي تستدعي مسؤولياته الإلمام بها، وهي عديدة وعويصة، ففي سوريا هناك حرب تدمر البشر والحجر، وفي اليمن تمرد حوثي تدعمه إيران، وفي لبنان فراغ دستوري تحت سلاح «حزب الله»، وفي فلسطين مخاوف من انهيار السلطة الوطنية، وفي تونس هجمات إرهابية من وقت لآخر، وفي ليبيا حرب أهلية وثلاث حكومات.. علاوة على أزمات مزمنة أخرى في العراق والصومال والسودان.. تكاد تقتلع ركائز «بيت العرب»! محمد ولد المنى