من الممكن أن تصبح شعوب الدول الديمقراطية في عصر الاتصالات الإلكترونية متقلبة، فبعد أي هجوم يسبب خسائر جماعية، يطالبون بالانتقام من جميع القتلة ومن عاونهم، لكن بمجرد توقيع عقوبة قاسية وعودة الأمور إلى نصابها، ربما يتهم نفس الناس أجهزتهم الأمنية بالإفراط في استخدام الأساليب العقابية، وكلما شعر الناس بأنهم أكثر أمناً، كانوا أقل تسامحاً تجاه أساليب هؤلاء الذين يحفظون أمنهم، وبناءً على ذلك، يكمن فن جمع المعلومات المخابراتية في الحفاظ على هذا التوازن بين القسوة الكافية لحماية المواطنين، والمرونة اللازمة للإبقاء على قيم الديمقراطية الليبرالية، وفي كتابه الجديد «الذهاب إلى الحدود القصوى: المخابرات الأميركية في عصر الإرهاب»، يؤكد جنرال القوات الجوية المتقاعد «مايكل في. هايدن»، الذي أدار «وكالة الأمن القومي» و«وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» (سي آي إيه) على التوالي أثناء إدارة بوش الابن، أنه حاول الحفاظ على هذا التوازن أثناء توليه المسؤولية. ويدافع «هايدن» في كتابه، عن عمليات الاستجواب سيئة السمعة والقتل المستهدف ومراقبة خطوط الهواتف المحلية، باعتبارها كانت جزءاً من مسؤوليته. ويخصص المؤلف فصلاً كاملاً، يسلط فيه الضوء على نشأته الدينية في بيترسبيرج. ويكشف «هايدن» في الكتاب رضاه المفرط عن نفسه، وغضبه، وتحيزه، وإن كان بوتيرة بطيئة، عدا عندما يكتب عن الكونجرس أو وسائل الإعلام، ويشتكي من أن الكونجرس كان «يتهم مجتمع المخابرات بعدم الكفاءة، في الوقت الذي كان يصفهم فيه نشطاء المجتمع المدني بـ(الحكماء)». ولفت «هايدن» إلى أنه في بعض الأحيان عقد اجتماعات بشأن برنامج «وكالة الاستخبارات المركزية» للاستجواب مع أوروبيين يساريين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كانت مثمرة بدرجة أكبر من اجتماعاته مع الكونجرس. ويزعم «هايدن» أنه رغم كل المهاجمات، لكن في نهاية المطاف، لم يكن للكونجرس الأميركي تأثير على شكل برنامج الاستجواب الخاص بالوكالة، معتبراً أن الكونجرس افتقر إلى الشجاعة أو الإجماع لوقفها أو التصديق عليها أو إصلاحها. ورغم ذلك، يناقض المؤلف نفسه مرة أخرى، عندما يكتب أن أشكالاً مختلفة من الإشراف والرقابة «نجح الكونجرس في التوصل إليها» لجعل عملية الاحتجاز والاستجواب ذات صعوبة قانونية ومخاطر سياسية، وبات من شبه المستحيل القبض على شخص بدرجة جعلت التحول إلى القتل أسهل بكثير من اعتقال إرهابيين من ميدان المعركة، وبعبارة أخرى: أضحت الضربات المستهدفة بطائرات من دون طيار بصورة جزئية، وليداً لغضب الإعلام والكونجرس من عمليات الاستجواب. ومن المفارقة أن كلاً من «هايدن» والمستجوبين أنفسهم كان لديهم رد فعل مختلط تجاه السجناء، والمذكرات التي كتبها مستجوبون كثيراً ما سلطت الضوء على تكون روابط بينهم وبين الإرهابيين تعين عليهم مراراً وتكراراً البحث في أمرها. أما بالنسبة لوسائل الإعلام، فيصف المؤلف قاعة الصحافة في البيت الأبيض بأنها «جحر ثعابين»، قائلاً: «كانت الصحافية الراحلة هيلين توماس توجه ادعاءاتها من مقعدها في الصف الأمامي بصوت ربما كان ينطوي على سؤال»، وهناك صحافيون آخرون من بينهم «تيم وينر» و«جين ماير»، وبالطبع حلفاء «إدوارد سنودن»، «جلين جرينوالد» و«لاور بويتراس»، يقول المؤلف إن أجندة يائسة كانت تدفعهم. وربما لا يكون «هايدن» في أفضل أحواله عندما يهاجم أو يدافع، لكنه يحاول ببساطة تفسير التحديات التي يواجهها مسؤولو المخابرات في العصر الحديث، وعلى عكس فترة الحرب الباردة حيث كان من الصعب إخفاء فرق الدبابات السوفييتية، كان من السهل بصورة نسبية قتل العدو في ميدان المعركة الجديد، وإن كان من الصعب جداً أن تجده، حسبما يروي «هايدن»، ولهذا السبب، عندما أصبحت هناك بعض برامج المخابرات المثيرة للجدل، «زعمتُ أن تقييد المخابرات الأميركية في ظل الظروف الحالية كان بمثابة نزع سلاح أحادي الجانب». وائل بدران الكتاب: الذهاب إلى الحدود القصوى المؤلف: مايكل هايدن الناشر: بنجوين برس تاريخ النشر: 2016