كنا دائماً نميز بين مدرستين رئيستين في الفكر الصهيوني والسياسة الإسرائيلية، الأولى مدرسة الصهيونية الاشتراكية التي قادت عملية إنشاء دولة إسرائيل بقيادة «بن جوريون»، والثانية مدرسة الصهيونية التنقيحية التي أسسها فلاديمير جابوتنسكي. الفارق الرئيسي الذي كنا نرصده هو أن الصهيونية الاشتراكية كانت تتسم بدرجة من «الاعتدال» في صياغة الأهداف المتصلة بحدود الدولة الإسرائيلية المزمع إقامتها على أرض فلسطين، بينما كانت الصهيونية التنقيحية تميل إلى إعلان أهداف متطرفة، حيث طالب جابوتنسكي في العشرينيات من القرن الماضي (وكان المشروع الصهيوني برمته في بداياته وفي مرحلة الطفولة) بضرورة الإعلان بأن حدود الدولة اليهودية المأمولة تضم الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن، بما يعني إدراج المنطقة التي تقوم عليها المملكة الأردنية الهاشمية في حدود إسرائيل. هذا في حين كان بن جوريون زعيم المدرسة الاشتراكية يعتقد أنه رغم صواب ما يقوله جابوتنسكي فإنه لابد من مراعاة الظروف الدولية وعدم التصادم مع الدول الكبرى خاصة بريطانيا الحاضنة للمشروع الصهيوني وصاحبة وعد بلفور، ذلك لأن بريطانيا كانت تعترض على توجه جابوتنسكي. وإذا انتقلنا من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين، فقد ظل التميز قائماً بشكل واضح بين المدرستين، حيث كان حزب العمل وحزب ميرتس الممثلان للصهيونية الاشتراكية يعلنان استعدادهما للموافقة على إنشاء دولة فلسطينية في الوقت الذي كان فيه حزب «الليكود» ممثل الصهيونية التنقيحية يصمم في برنامجه السياسي على رفض الدولة الفلسطينية، وعلى رفع شعار يقول «بين النهر والبحر لا مكان إلا لدولة واحدة هي دولة إسرائيل». وقد ظهر التباين واضحاً بين موقفي حزبي «العمل» و«الليكود» خلال مفاوضات السلام التي عقدت في كامب ديفيد برعاية الرئيس كلينتون بين كل من إيهود باراك وياسر عرفات بهدف إيجاد تسوية نهائية للصراع تقوم على حل الدولتين، ذلك أن «الليكود» برعاية شارون أعلن رفض هذه التسوية، بل وبادر زعيمه إلى اقتحام المسجد الأقصى عمداً ليفجر الانتفاضة الفلسطينية ويقضي على أجواء التفاؤل بالحل السياسي. لقد ظل هذا التباين قائماً إلى وقت قريب. غير أن زعيم حزب «العمل» الحالي «يتسحاق هرتزوج» اكتشف أن هناك ميلاً واسعاً بين الجماهير لقول حكم «الليكود» بقيادة نتنياهو الذي أمضى في رئاسة الحكومة سبعة أعوام متصلة منذ عام 2009، من هنا قرر أن عليه أن يطور برنامج الحزب ليكسب قطاعاً من جماهير اليمين فدعا إلى اجتماع للجنة المركزية في السابع من الشهر الماضي لإجراء تعديلات على البرنامج. لقد شهد الاجتماع مواقف تقترب كثيراً من موقف «الليكود» في التشدد، حيث بشّر أحد أعضاء اللجنة المركزية الشعب الفلسطيني بنكبة جديدة وتباهى أعضاء آخرون بأن فكرة إنشاء الكتل الاستيطانية الكبرى كانت من إنتاجهم، ولوّح غيرهم في اللجنة بإمكانية تبني شعار «الليكود» حول وجود دولة واحدة هي إسرائيل بين النهر والبحر عندما قال إن الدولة الفلسطينية يمكن إقامتها في غزة. لقد أصابت هذه التصريحات المتطرفة قلق الساسة المعتدلين الذين رأوا أن هذه التحولات لن تؤدي إلى ارتفاع شعبية حزب «العمل»، بل ستجعله مجرد صورة مكررة من «الليكود»، فهل تنذر هذه التحولات باختفاء الفروق بين المدرستين الصهيونيتين؟