انتهيت قبل أيام من قراءة كتاب مهم تحت عنوان «قبل أن يأتي الغرب.. الحركة العلمية في مصر في القرن السابع عشر»، للباحث ناصر عبدالله عثمان، والكتاب دراسة تاريخية تم خلالها إخضاع الفترة المذكورة للنقد والمراجعة، بغية التعرف على ما كان يقوله المؤرخون عنها، كفترة تميزت بالفوضى والتخلف والركود، علاوة على قولهم بأن الغرب والأخذ بالنموذج الأوروبي هو السبب فيما حدث من تغيرات حضارية وعلمية عرفتها مصر خلال القرن التاسع عشر.. الحجة التي استخدمها الفرنسيون والبريطانيون لتبرير وجودهم وسياساتهم الاستعمارية في مصر. الدراسة كسرت ما روجت له النظرة الاستشراقية حول هذه الفترة، والتي وصفتها بالتخلف والجمود، إذ بيّنت أن ما حدث كان على العكس من ذلك، وأن مصر في تلك الفترة كانت شعلة من التغير والنهوض والحركة العلمية الذاتية المستقلة، وأنها كانت تسير نحو التطور والتقدم قبل مجيء الغرب، وكانت على وشك إنجاز عملية التحديث بنفسها وبقدراتها الذاتية، وأن الغرب هو الذي قطع عليها تطورها، وأن التدخل الغربي صحبته الكثير من المتغيرات التي كان لها تأثير واضح في تشكيل صورة الحركة العلمية المصرية خلال القرون التالية. لقد شهدت الفترة السابقة على الوجود الغربي في مصر اهتماماً غير عادي بالعلم والعلماء، وتميز علماء تلك الفترة بخصائص في غاية الأهمية، مثل الورع والتقوى والاشتغال بأمور الدين والتقيد بالنظم والقواعد التي تتلاقى مع العلم ومكانته، كما وجد المؤلف أن المحيط الاجتماعي للعلماء في تلك الفترة ساعدهم على الاندماج وبناء علاقات قوية بطلبتهم والعمل على تأهيلهم ليحملوا الرسالة من بعدهم، كما ساعدهم على غزارة الإنتاج والعمل على الارتفاع بالمستوى العلمي المشترك بينهم وبين الطلبة، وكانت الجهود البحثية للعلماء المصريين في حينه كبيرة جداً، وقد ساعدتهم على ذلك سهولة تنقلهم بين أقاليم العالم الإسلامي، والذي لم يكن في حينه قد عرف الحدود والحواجز بين بلدانه، رغم حروب الدولتين الصفوية والعثمانية، وكان الالتزام بالاجتهاد والابتكار والإبداع في الحركة العلمية والثقافية هو الأساس. ومما أظهرته الدراسة أيضاً أن مصر في الفترة بين القرنين الحادي عشر والسابع عشر الميلاديين كانت غنية بمؤسساتها التعليمية، وكان الكتاب فيها متوفراً بصورة سهلة وميسرة للطالب (مقارنة بالدول الأخرى في ذلك العصر)، وكانت للمدارس فيها مكتباتها الغنية. ولم يقتصر وجود النشاط التعليمي ومؤسساته في مصر على القاهرة فحسب، بل انتشر في معظم أرجاء البلاد، لذلك ظلت مصر محتفظة بريادتها الثقافية والتعليمية في العالم الإسلامي رغم كل التحديات التي واجهتها. وكشفت الدراسة عن اهتمام غير عادي بالعلوم العقلية (الفلسفة) لدى العلماء والمثقفين المصريين في ذلك العصر، لا يقل عن اهتمامهم بالعلوم الدينية واللغوية. ومن أهم الاستنتاجات التي خرجت بها دراسة ناصر عبدالله عثمان أن الجوانب الفكرية لكثير من العلوم شهدت تطوراً كبيراً في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، الفترة التي تميزت بصحوة كبرى وبإنتاج ملحوظ في علوم المنطق واللغة والحساب والطب، كما امتازت نتاجات علمائها بالدقة والمنهجية، وبحرص مؤلفيها على ذكر المصادر والاقتباسات ممن سبقوهم، كما تميزت هذه الفترة بوجود كثير من العلماء الموسوعيين الذين كتبوا في معظم العلوم دون أن يحصروا أنفسهم في تخصص واحد ضيق.