يواجه الحزب الجمهوري أزمة جديدة على خلفية التألق السريع لنجم الملياردير وتاجر العقارات الشهير «دونالد ترامب» واستئثاره بريادة الحملة الانتخابية التمهيدية لتسمية مرشح الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر المقبل. وما لم يتم العمل على الوقوف في وجه هذا النجاح الذي يحققه ترامب أو إضعافه بشكل فعال في الولايات الانتخابية المهمة مثل فلوريدا وأوهايو التي ستصوّت في 15 مارس المقبل، فلا شك أنه سيرسم طريقه إلى نصر محقق من النوع الذي يصعب إيقافه بعد ذلك. ولقد أثار انتصار ترامب الفزع في أروقة المؤسسة الحزبية «الجمهورية» لعدة أسباب. أولها أنه «لا منتمٍ» من الناحية الحزبية، ولا يهتم أو يتقيد بآراء ومواقف «اللجنة الوطنية الجمهورية» التي يُفترض بها أن تتحكم بترتيب الآليات والأساليب المتعلقة بإدارة الحملة الانتخابية التمهيدية. وثانيها أنه لم يقبل التبرعات المالية من المانحين الذين يسعون لتحقيق أجنداتهم السياسية عن طريق دعم من يعتقدون بأنه سوف يكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة. وثالثها أن المعتقدات التي يتمسك بها ترامب تتناقض مع الخطوط العامة لسياسة الحزب الجمهوري. ولقد سبق له أن أعلن عن معارضته لكل الاتفاقيات المتعلقة بالتجارة العالمية الحرة لأنه يعتقد أنها تصب في مصلحة الدول الأجنبية على حساب جهود وعرق عمال الولايات المتحدة. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، عبّر عن مواقف شديدة الصلابة ضد الإرهاب، لكنه أعرب عن معارضته لحملات التدخل العسكري في بلدان العالم، مثل العراق وليبيا. وذهبت به مواقفه الانعزالية إلى حدّ أثار الكثير من السخط والغضب في أوساط المحافظين المتشددين للحزب الجمهوري للدرجة التي دفعت بعضهم للإعلان عن أنهم سوف يصوتون لصالح هيلاري كلينتون بدلاً منه! وربما تكمن نقطة الخلاف الأكثر حساسية بين ترامب والمؤسسة الحزبية «الجمهورية» في سياسته المعلنة حول الهجرة، وخاصة بسبب مواقفه العنصرية ضد المهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين، واقتراحه بناء جدار مرتفع على طول الحدود الأميركية المكسيكية لمنع عبور المزيد منهم، وأيضاً دعوته لمنع أي مسلم من السفر إلى الولايات المتحدة لفترة زمنية غير محددة. وهذه المواقف التي تغلب عليها النزعة القومية الشوفينيّة تتطابق في الواقع مع آراء فصائل مختلفة تنتمي إلى الحزب الجمهوري لكنها تتناقض في ذات الوقت مع المواقف التي تبناها الحزب عقب هزيمته في الانتخابات الرئاسية لعام 2012، والتي فاز فيها باراك أوباما على المرشح الجمهوري «ميت رومني»، وتضمنت تلك التوصيات التي أعلنها الحزب دعوة صريحة لتغيير الأساليب والسلوكيات فيما يتعلق بالتعامل مع الأقليات، وجاء فيها: ما لم يلتزم الحزب الجمهوري بالمبادئ التي تضمن له توسيع قاعدته الشعبية عن طريق ضمان تأييد الأقليات التي تتزايد عددياً في الولايات المتحدة، وخاصة منهم ذوي الأصول الأميركية اللاتينية، فإن الجمهوريين ذاتهم سوف يتحولون إلى أقلية عددية داخل وطنهم، وسوف يتضاءل أملهم في العودة إلى البيت الأبيض إلى حد كبير. لكن، وحتى يتمكنوا من تجاوز هذه المعضلة، يتحتم عليهم تبنّي سياسة أكثر احتراماً للنوازع والأعراف ذات الطابع الإنساني عند معالجتهم لمشكلة المهاجرين غير الشرعيين الذين يربو عددهم على 11 مليوناً ويعيشون في الولايات المتحدة. ولن يتحقق هذا الإجراء الضروري إلا عن طريق اتباع سياسات يمكنها أن تؤدي إلى منح الغالبية العظمى من هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين الأوراق الثبوتية التي تسبغ على إقامتهم الصفة الشرعية وحق المواطنة. صحيح أن كلاً من ترامب والمرشح الجمهوري الآخر الذي يستأثر ببعض حظوظ الفوز بتسمية الحزب في الانتخابات التمهيدية، وهو السيناتور عن ولاية تكساس «تيد كروز»، عبّر عن عداء مستحكم ضد المهاجرين، لكنّ ترامب وحده هو الذي حظي بالموافقة غير الرسمية في أوساط غلاة العنصرية والتعصب من البيض المنضوين تحت اسمهم الشهير «جماعة كلو كلوكس كلان». ولهذا السبب وحده، يمكننا الحكم مسبقاً على أن ترامب سوف يواجه معركة انتخابية حامية الوطيس ضد المرشحة المحتملة عن تسمية الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون. وخلاصة الأمر أن المؤسسة الحزبية «الجمهورية» باتت مقتنعة كل الاقتناع بأن ترامب سوف يخسر الانتخابات العامة وبما سيمكّن الرئيس الديمقراطي (أو الرئيسة) من إطلاق العديد من المبادرات السياسية بما فيها تعيين مشرعين جدد في المحكمة العليا، وبما يضمن حرمان «الجمهوريين» من الأغلبية التي تمتعوا بها داخل هذه المؤسسة القضائية لعدة سنوات، وتعتقد هذه المؤسسة أيضاً أن فوز ترامب بالتسمية سوف يؤدي إلى تفويت الفرصة على الجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية في الكونجرس.