زاد وضع المفكرين والأدباء العرب سوءاً مع الاضطرابات الاجتماعية والاستقطاب السياسي الحاد الذي أعقب انطلاق الانتفاضات والثورات، فمن انضم منهم إلى حركة التغيير لاقي عنتاً وتشويهاً من قبل الموالين للسلطات التي ثار الناس عليها، بمن فيهم مفكرون وأدباء من بني جلدتهم، أما أولئك الذين انحازوا للسلطة ودافعوا عن الأوضاع التي كانت قائمة، لأنهم جزء منها، فقد هوجموا أيضاً من قبل المنحازين إلى التغيير. واتسم الهجوم في الناحيتين بضراوة ظاهرة، وفجور في الخصومة أحياناً. وسقط الاثنان، في الغالب الأعم، أمام حركة شارع سبقت الجميع، وأمام التراجع العام لدور المفكر والأديب والمثقف في الحياة الاجتماعية، مع ظهور قادة جدد للرأي، كثير منهم هم إعلاميون يتسلمون الشاشات ليلًا، ليسكبوا في آذان مئات الملايين آراء عابرة، وقيماً متضاربة، وأفكاراً سطحية، ويسقط أغلبهم في فخ الدعايات السياسية السوداء، والغرائزية التي تروم جذب العيون بأي ثمن، حتى لو ترتب على هذا خراب الذمم، وتدمير القيم، وإشاعة الفوضى. تسلم هؤلاء رؤوس الناس، بينما تراجع حجم ومستوى وعمق القراءة لدى الأجيال الجديدة بصفة عامة، ما انعكس على توزيع الكتب والصحف الورقية، وزاد الطين بلة بروز ثقافة بصرية وسمعية عارضة وسريعة وغير مدققة تبثها مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، كثير منها مشبع بدعايات وسقطات وخروج عن حدود اللياقة واللباقة والفهم السليم وما تفرضه الضمائر الحية من أقوال وأفعال. ووسط هذا الجو الصعب يجد المفكرون والأدباء العرب أنفسهم أمام ثلاث معضلات، في الحال والمآل، الأولى تتصل بالجور على حقهم في نقد الذات أو مراجعة أفكارهم والإصرار على وضعهم في خانات أيديولوجية كأقفاص حديدية لا خروج منها ولا راحة فيها، والثانية ترتبط بالعقبات التي تواجه المبدعين والمفكرين ومنتجي المعرفة والتي تبدو زنزانة متعددة الجدران، أما الثالثة فتتعلق بأوضاعهم المادية الصعبة. وليس بوسع أي صاحب قلب رهيف، وعقل نابه، أن ينسى أبطال رواية طه حسين «المعذبون في الأرض» التي أظهر فيها، كأديب ومفكر ومصلح اجتماعي، انحيازاً قوياً لبسطاء الناس، الذين يكافحون في وداعة من أجل أن يُحسِّنوا شروط حياتهم البائسة، التي تقف طيلة الوقت على حواف الضياع والحيرة والهلاك. تجاوز طه حسين في روايته تلك، مثل غيره من أدباء ومفكرين كثر، حالته الخاصة، كرجل صارع طويلًا ضد الفاقة والتجاهل والنبذ والمطاردة والتكفير، وانشغل بالناس، الذين انتمى إليهم، وعاش من أجل أن يأخذ بعقولهم إلى فهم ما هم عليه من بؤس، كي يتمردوا عليه، أو ينتفضوا ضد كل ما فيه من عوز وإقصاء وتهميش. يفعل المفكرون والأدباء الحقيقيون هذا على رغم أن في حالهم بؤساً لا يقل عن ذلك الذي يصيب من يسخرون أقلامهم للدفاع عنهم. بل إن بؤس المفكرين بؤسان، مادي مرده دوماً إلى ضيق ذات اليد، أو التضييق، ومعنوي حين يتم تجاهل ما ينتجونه أو الاستهانة به، أو التحريض عليه، وتشويهه وتشويه من أبدعوه على أيدي موالين لأي سلطة مستبدة، وخاصة إن كانت هذه الأفكار تتناقض مع مصالح ومنافع القائمين عليها. لهذا قد ينسحب على أرباب القلم ما جرى على أولئك الذين وصفهم طه حسين بالمعذبين في كوكبنا، المفعم بظلم مقنع، تتناسل أشكاله وألوانه على مدار القرون، ويشارك المفكرون والمناضلون السياسيون والفنانون وعلماء الدين الذين ينطلقون من أن للأديان مهمة اجتماعية ترفع راية العدل والسكينة، في محاولات مضنية لا تنتهي في سبيل إزاحته عن كاهل المتعبين، ولو قليلًا، أو إلى حين.