أعرض فيما يلي لتجربة فكرية يمكنها أن تلقي الضوء على التحديات التي تواجه صناع القرار في نظام الاقتصاد الشامل macroeconomic للولايات المتحدة وبقية دول العالم الصناعي. تخيّل أن يحدث خلال فترة قصيرة أن تشذّ التوقعات المتعلقة بالتضخم في العالم الصناعي عن المؤشرات الحقيقية لأسواق الأسهم والسندات أو أسواق المقايضة، وأن يرتفع بنحو 50 نقطة أساس حتى يصل إلى مستوى يفوق المعدل المستهدف البالغ 2 بالمئة، وأن يرافق ذلك توقعات تلوح في الأفق بارتفاع أكبر على المدى الأبعد، وتخيّل في الوقت ذاته أن التوقعات الاستقصائية المتعلقة بالتضخم قد ارتفعت بشكل حاد. وتخيل أيضاً أن أسعار السلع الأساسية كانت ترتفع فيما كان الدولار يعاني من هبوطه الدوري الذي يشهده كل 15 عاماً. وتخيل أن الإجراءات الهادفة لرفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي قد تسارعت وزادت من حيث الفعالية مع تزايد المؤشرات الدالة على اقتراب حدوث طفرة اقتصادية عالمية. وتخيل أيضاً أنه لا توجد محاولات جادة قيد التنفيذ لتخفيض عجز الميزانية العمومية. وأخيراً، افترض أن صنّاع القرار السياسي كانوا يشعرون بالرضى عن الإجراءات المبنية على أساس أن التضخم سوف يعود مع مرور الوقت ليتطابق من جديد مع العلاقة المفترضة بين البطالة وزيادة الأسعار. أعتقد أنه من الإنصاف أن أضيف إلى هذه السلسلة من الظروف الافتراضية، التعبير عن اعتقادي بأنه ستكون هناك مخاوف شائعة من أن تكون السياسة ذاتها هي التي تقف وراء هذه التغيّرات، وهي التي تعرضت بشكل كبير للخطر مع تعذّر الركون إلى التوقعات المتعلقة بالتضخم، وحيث بات من الضروري إخضاعها لمجموعة من التعديلات المناسبة. ولا تكمن النقطة الأساسية بالسماح بزيادة مؤقتة في معدل التضخم، لأن التحول إلى تضخم يفوق المعدل المتوقع، والذي سوف يكون باهظ التكلفة. نحن نعيش في عالم يعدّ بمثابة صورة المرآة للعالم الافتراضي الذي أتيت على وصفه. ومن المفيد أن نلاحظ أن المعايير التي تتبناها الأسواق لوضع التوقعات المتعلقة بالتضخم قد انهارت وتداعت. وبناء على أفضل التقديرات الفيدرالية، سوف يتراوح معدل التضخم ما بين 1 و1.25 بالمئة خلال العقد المقبل. وتنخفض التوقعات التضخمية في أوروبا واليابان عن هذا المعدل. وتتحدث حسابات استقصائية عن هبوط حاد وشيك في معدلات التضخم، ولقد انخفضت الأسعار العالمية للمواد والسلع الأولية إلى أدنى مستوى لها خلال بضعة عقود، وارتفعت قيمة الدولار خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية بمعدل فاق ضعف قيمة تزايده خلال 40 عاماً عندما كان يتأرجح بحرية بين ارتفاع وانخفاض، وتشير أحدث توقعات الخزينة الفيدرالية على المدى القصير إلى ارتفاع معدلات الفائدة بنحو 2 بالمئة خلال العامين المقبلين فيما تقدر توقعات السوق أن يبلغ هذا الارتفاع 0.5 بالمئة فقط. وتجمع التوقعات على أن يبلغ معدل ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 1.5 بالمئة خلال الأشهر الستة الممتدة من بداية أكتوبر حتى نهاية شهر مارس الجاري، وتوقعت الخزينة الفيدرالية أيضاً أن يعود معدل التضخم إلى النسبة المستهدفة البالغة 2 بالمئة استناداً إلى نماذج افتراضية لا يقتنع بها معظم المراقبين والمحللين. وفيما تسود بيئة الاقتصاد الشامل حول العالم حالة من القلق والارتباك يمكن استشفافها من وقائع فعاليات اجتماع القمة لمجموعة العشرين التي تمثل أهم الاقتصادات العالمية في مدينة شنغهاي الشهر الماضي، لا يتوفر الآن أي دليل يثبت أن صنّاع القرار على المستوى العالمي يعملون بالفعالية اللازمة لإثبات مصداقيتهم من أنهم سيعملون على تخفيض التضخم إلى ما دون المعدل المستهدف، وتتناقل البنوك المركزية العالمية إحساساً مشتركاً من أن القليل فحسب من القدرة هي التي تحتكم إليها للمساهمة في تقوية النمو ورفع معدلات التضخم، وتعززت هذه الرؤية المشتركة من خلال ردّات الفعل السوقية القوية التي دفعت اليابان إلى الإعلان عن معدلات الفائدة السالبة. وعلى أن المخاطر التي نشهدها اليوم بسبب ظاهرة «التضخم المنخفض»، والتي بدأت بالتحول إلى حالة «انكماش نقدي» deflation (المعاكس لمفهوم التضخم)، فضلاً عن الركود وتعطل آلة النمو، أصبحت جميعاً على درجة من الخطورة لا تقل عن مشكلة معدلات التضخم المرتفعة التي شهدناها في عقد السبعينيات من القرن الماضي، ويتطلب حلّ كل هذه المشاكل إحداث تغيير جذري في المفاهيم المتعلقة بالسياسات الاقتصادية. لورانس سامرز عميد سابق لجامعة هارفارد ووزير الخزانة سابقاً ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»