هناك إشارات إلى أن الإرادة السياسية العربية بدأت تتلاقى لتشكل موقفاً من أجل العمل على الحد من التمدد الإيراني في الداخل العربي، وهو تطور يعده المراقبون جوهرياً ومهماً، لاسيما وأن هناك جملة من التحركات العربية أوضحت إمكانية تشكيل موقف عربي صلب في مواجهة الطموحات الإقليمية، مثل الإعلان عن التحالف العربي من أجل إعادة الشرعية في اليمن، وكذلك التصنيف الأخير لـ«حزب الله» اللبناني بوصفه حركة إرهابية. الخبر الجديد، هو أن غداً الخميس سينعقد اجتماع عربي في مقر جامعة الدول العربية، تحضره أربع دول عربية، هي الفاعل الرئيسي في القرار العربي حالياً، وهي المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، وذلك لمناقشة قضية محددة هي: التدخل الإيراني في الشأن العربي. وبشكل عام، فإن الاهتمام العربي بالشأن الإيراني ليس جديداً على اعتبار أن حالة الاشتباك السياسي والإعلامي معها موجودة من زمن طويلة، وإنما الجديد الآن يتمثل في حدة اللغة وفي حجم الصراحة العربية والذي يعبِّر عن إدراك لحجم تأثيرات السياسة الإيرانية، وبالتالي ضرورة أن تكون الرسالة العربية لإيران واضحة وصريحة. الشيء الجميل عربياً هو أنه يمكن ملاحظة أن هناك «مراجعة» عربية محمودة، خاصة من جانب المهتمين بالشأن الإيراني من الخليجيين، وتكمن هذه المراجعة في أن الاهتمام العربي لم يكن يتعدى متابعة التنافس السياسي بين المحافظين والمعتدلين، وهو أمر لا يوضح مدى خطورة الدور الإيراني على الاستقرار الداخلي العربي. والمراجعة الخليجية، ذهبت ببعضهم إلى حد المطالبة بإيجاد لوبي عربي في إيران وتبني بعض المعارضين للنظام الإيراني، وذلك بغية خلق نفوذ خليجي يعمل على إشغال النظام الإيراني بالوضع الداخلي لديه، على شاكلة «الأذرع» الإيرانية في بعض الدول العربية، إذا ما لم يفعل العرب ذلك فستبقى التداخلات من جانب إيران مستمرة. بل وصلت جدية الأمر، إلى السعي خليجياً نحو «فك الارتباط» بين بعض المفاهيم التي تسببت في خلط الأوراق داخل ملف الخلاف العربي مع إيران، ومن ذلك: الفصل بين إيران النظام وإيران الشعب، فأغلب الإيرانيين يعانون من سلوكيات النظام في بلادهم، وبالتالي إما أن تجدهم يعيشون خارج وطنهم، أو يعانون داخله من أوضاع اجتماعية وسياسية صعبة التحمل. وكانت هناك أيضاً نقطة مهمة ينبغي أن نضعها في الاعتبار عندما نتناول الخلاف مع إيران على أنه خلاف سياسي في الأساس وليس طائفياً أو مذهبياً، حيث إن بعض الشيعة هم مواطنون عرب قبل أن يكونوا تابعين للنظام في إيران. أما عن الظاهرة الجديرة بالاهتمام في الوقت الحالي، فإن العرب -جميعهم تقريباً- التقوا على تحميل النظام الإيراني مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة العربية، بل أبدوا قلقهم من أن هناك في داخل الدول العربية من يبذلون جهداً في الترويج للسياسة الإيرانية، وهو أمر غير مقبول، مما يشير إلى أهمية إعادة «ضبط بعض المفاهيم» السياسية والاجتماعية، التي ساهمت في استمرار الفوضى الإيرانية في الدول العربية، أو بمعنى آخر العمل على سد «الفراغ السياسي». فقد وجدت بعض الدول العربية نفسها أمام أفراد، مثل عبدالحميد الدشتي ونمر النمر، وهم مواطنون خليجيون، لكنهم يسوِّقون للسياسة الإيرانية، وهذا أمر غير مقبول. كما وجدت نفسها أمام تنظيمات تخلخل الأوضاع الداخلية لصالح إيران مثل «حزب الله» والحوثيين، فكان لابد من انتقاد السلوك الإيراني من العرب جميعاً وإعلام طهران بأن أسلوبها لا يرقى إلى التعامل وفق مبادئ الأمم المتحدة ولا لما يتطلبه حق الجوار. النقاشات العربية الحالية، لم تعد تتطرق إلى الموضوع الإيراني باعتباره متعدد الجوانب، بل غالباً ما تأتي ضمن نقاشات أخرى، بعد أن كاد يترسخ كقاعدة خلال اجتماعات العرب أن يخصصوا جانباً رئيسياً من هذه الاجتماعات لمناقشة التهديد الإيراني بكل وضوح وشفافية، وهذا أمر كنا نفتقده سابقاً. كما بدأت هذه الاجتماعات تكشف عن حديث عربي حول دولة المواطنة الخليجية بدلاً من مواطنة المذهب أو الطائفة. وإذا كانت المواقف العربية تجاه إيران في السابق قد استندت إلى: العاطفة الدينية أحياناً، وإلى الجوار الجغرافي في أحيان أخرى، فإنه مع مرور الأيام ثبت أن إيران دولة «تلعب السياسة الميكافيلية» من خلال استغلال الدين والطائفة.. والدليل أن الشيطان الأكبر لم يعد كذلك! بل ينبغي علينا أن لا نتفاجأ إذا قرأنا خبراً تصنف فيه إيران أحد وكلائها في المنطقة كتنظيم إرهابي! هناك موقف سياسي عربي يعطي انطباعاً قوياً بأننا مقبلون على تحولات سياسية كبيرة، وأن العرب لا يريدون أن يكونوا متفرجين على تلك التحولات.