ترد هذه الجملة على ألسنة بعض الأشخاص وكأنها حالة جميلة من التفاؤل وحسن الظن والاطمئنان، لكنها في الواقع اليومي كثيراً ما كانت فرصة للتسويف والتأجيل إلى أجل غير مسمى! ذلك لأن من تقابله وتطلب منه تأجيل أو تقديم معاملة أو موضوع معلق، ثم يرد عليك بهذه الجملة، فهو غالباً يعني أن شيئاً فيما يتعلق بما حدثته عنه أو طلبته منه لن يتحرك، أي أنك لن تحصل على ما طلبت منه، مهما كان بسيطاً. وهي أيضاً جملة قد يستخدمها بعض المديرين ممن لا يرى مشكلات مؤسسته حوله، ويعتقد واهماً أن تجاهل المشكلات سيجعلها تُحل تلقائياً ومن دون تدخل واضح ومخطط ومرتب، وذلك لفك الارتباط بين المشكلة وعقدتها. المتبنون لهذه المقولة يمثلون حالات تصادفنا في أماكن مختلفة، لكن عبارة «الأمور طيبة» لا تعكس دائماً أن كل الأمور تسير على ما يرام في الحياة الخاصة للشخص العادي الذي يستخدمها أو في مؤسسة المدير الذي يستعملها أيضاً، بل صار كثير من جماعة أصحاب «الأمور طيبة» مشكوكاً في صدق حديثهم وفي دقة نظرتهم للواقع من حولهم، فقصور هذه النظرة كثيراً ما يجعل المشاكل تتفاقم وغالباً ما يعوق تقدم مسيرة الأعمال نحو الأمام. العمل المؤسسي يحتاج إلى تطوير نوعي كل يوم، وإلى إضافات تزيد من إنتاجية العاملين والمؤسسات، لكن الاحتماء بجملة «الأمور طيبة» يجعل من الصعوبة بمكان أن تستمر هذه الأعمال في النجاح والتطور المرتجيين. كذلك عبارة «مر علينا باكر»، فهي أيضاً تشير إلى التأجيل غير المحدد بأي إنجاز، بل هي وعد معلق في الهواء، ولا شيء يضر بأي شخص أو مؤسسة مثل التسويف والتأجيل. ومثل «الأمور طيبة» و«مر علينا باكر»، هناك أيضاً عبارة «وغداً أكمل».. فهذه كلها محاولات هروب للخلف وعدم إبداء أي رغبة في إنجاز ما ينبغي إنجازه، فلا شيء أسوأ من التأجيل وتأخير الأعمال ليوم غد أو لبعده، فهي أولى علامات التراجع لذي سينعكس بالضرر على المؤسسة. أصحاب هذه المقولات تحولوا إلى نماذج يضرب بها المثل على حالة العطالة وعدم الإنجاز، وهو ما سينعكس على كثير من القضايا العالقة التي تتعب وتزعج جدول الأعمال اليومي. وبإمكان أي منا أن يتذكر أشخاصاً تعاملوا ذات يوم بهذا المنطق، وهو منطق العمى النسبي عن حقيقة ما يدور حولهم، إذ تعاملوا وكأنهم يجدون الحل السحري لجميع المشكلات في التأجيل والتسويف، ومع مرور الوقت يتحول أولئك الأشخاص أنفسهم إلى سبب لكل ما تعانيه مؤسساتهم من روتين وبيروقراطية وأعمال مؤجلة متراكمة لم يتم حلها في وقتها.. وتصبح النتيجة مزيداً من الأعباء والأعمال المؤجلة التي يصعب أن تحل اليوم بعد كل هذا الوقت الذي مر. ليس هناك أسوأ من التأجيل ومن إبقاء القضايا العالقة وتركها تعوم في بحر بلا شاطئ قريب يستدل عليه. أولئك هم الأشخاص الذين أتقنوا الاعتذار عن كل مسؤولياتهم، وهم في واقع الأمر سبب لكثير من الأزمات التي لم تجد حلاً، ولم يكن لها أن تزداد كل يوم وتتفاقم لولا التأجيل والتسويف. «الأمور طيبة» حين ننجز أعمالنا ونفي بالوعود، وعندها تصلح هذه الجملة لأن تكون خاتمة وليس مقدمة.