يبدو أننا نعيش عاماً عامراً بالتطورات المفاجئة التي توحي بحدوث التغيير، والشيء الذي كان بعيد الاحتمال قبل ستة أشهر، أصبح احتمال حدوثه الآن قوياً جداً. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن «دونالد ترامب» يواصل طريقه بزخم كبير باتجاه الفوز بتسمية الحزب «الجمهوري» كرئيس للولايات المتحدة، ولقد أثار السطوع السريع لنجمه في أوساط الحزب «الجمهوري» الكثير من الدهشة، إلا أن من الجدير الملاحظة بأن «ترامب» ليس هو الذي وضع تاجه على رأسه، بل إن الناخبين «الجمهوريين» في ولايات أميركية متعددة هي: نيوهامبشير وساوث كارولاينا ونيفادا وآلاباما وأركانساس وجورجيا وماساشوسيتس وتينيسي وفرجينيا وفيرمونت، هم الذي دفعوا به إلى واجهة «حزب لينكولن». ولم يكن في وسع «ترامب» أن يحقق ما حققه لولا دعم الناخبين «الجمهوريين». فمن هم هؤلاء الناخبون، وما الذي يدفعهم إلى تأييد دونالد ترامب بالذات؟ عمدت مراسلة صحيفة «فوكس» الإخبارية أماندا تاوب إلى توصيف ظاهرة السطوع المفاجئ لنجم ترامب من خلال إطلالتها الصحفية في باب «في العمق»، بأنها تمثل «صعوداً للنهج الاستبدادي». وربما يفسر هذا القول سبب الدعم القوي الذي يحظى به مرشح الحزب «الجمهوري» في أوساط الشباب والفئات المثقفة والمتدينة. وعلى الرغم من هذا التوصيف، فإنني أرى أن من غير المنصف ولا العادل أن نرسم أوجه كل مؤيدي ترامب بنفس الفرشاة. لأن هذا يتطلب الغوص في الموضوع على نحو أكثر عمقاً. وعلينا أن نتذكر أيضاً أن المقال الذي نشرته صحيفة «فوكس» يستند على أعمال أنجزها علماء سياسة متعددو المشارب بادروا إلى دراسة المفاهيم العميقة والنوازع النفسية لمفهوم الاستبداد وسجلوا مستويات عالية من التفوق في هذا المجال، وعرّفوا المستبدين بأنهم أناس قد يتحولون إلى قادة أقوياء عندما يقدمون الوعود لمؤيديهم بأن يفعلوا كل ما يجب فعله عند الضرورة من أجل حمايتهم من الغرباء ويقتلعوا من أنفسهم جذور الخوف. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هناك علاقة ارتباط بين التعلق بالاستبداد والدعم الذي يحظى به ترامب في أوساط الناخبين «الجمهوريين»؟ يمكن استقاء الجواب من نتائج استطلاعات الرأي التي تقول: نعم، هو كذلك، ويشير مقال الصحيفة إلى أن «ترامب» يحتكم إلى طراز القائد الأكثر قبولاً عند فئة الناس الأكثر تعلقاً بالاستبداد، والذين تغلب عليهم بعض الصفات الشخصية المتناقضة مثل «البساطة والميل إلى إشهار مظاهر القوة والتعلق بسياسة العقاب»، إلا أن ترامب لا يمكنه أن يوحي لمحبي الاستبداد بأن في وسعه أن يشكل تهديداً أو يحدث تغييراً مثيراً للإعجاب مثلما يزعم مقال «فوكس»، وليس ترامب بالذات هو الذي جعل من أميركا بلداً أكثر تنوعاً وقبولاً للآخر، ولا هو الذي يقف وراء بناء القوى الديموغرافية والاقتصادية والسياسية التي يمكنها أن تدفع ذوي العقليات الاستبدادية للشعور بأنهم غير آمنين، ويمكن أن يُعدّ ترامب تجسيداً لما يعتقد مؤيدوه من أنهم يحتاجونه من أجل اقتلاع جذور الخوف من أنفسهم، وإزالة أسباب الخطر، ووضع حد لمسببات الضرر والأذى، والوقوف في وجه التهديدات كالتي يمثلها تنظيم «داعش» الإرهابي، وروسيا وإيران، والهجرة، وتشويه صورة الولايات المتحدة في العالم، والفوضى التي استشرت في صلب المؤسسات الاجتماعية الأميركية العريقة. ويعتقد مؤيدو ترامب ذوو الميول الاستبدادية بأن في وسعه أن «يعيد أمجاد أميركا»، وأن يحميهم من الشرور التي ينطوي عليها هذا العالم المخيف، وتقول «تاوب» في مقالها: «مع ترامب أو من دونه، وجد علماء السياسة أن الاستبداديين بشكل عام، والناخبين المؤيدين لترامب بشكل خاص، كان من المتوقع جداً أن يدعموا سياسات فعالة مثل تغليب القوة العسكرية على القوة الدبلوماسية ضد دول تهدد الولايات المتحدة، والدعوة لتعديل الدستور من أجل حظر إجراءات منح الجنسية لأبناء المهاجرين غير الشرعيين، وفرض المزيد من الإجراءات الرقابية على مرتادي المطارات من المسافرين ذوي الأصول الشرق أوسطية، وإجبار كل المواطنين على حمل بطاقة الهوية الوطنية من أجل إبرازها لضباط الشرطة عند طلبها». فما الذي يجعل «ترامب» مختلفاً عن منافسيه «الجمهوريين» الذين لا يقلون عنه تطرفاً نحو اليمين؟ والجواب هو جرأته في قول ما لا يُقال، ومن ذلك شتائمه للمهاجرين المكسيكيين الذين وصفهم بالمجرمين ومغتصبي النساء، ووصفه للرئيس باراك أوباما بأنه لم يولد على أرض الولايات المتحدة، وهذا ما يجعل منه رئيساً يفتقد للشرعية. كولبرت كينج: محلل أميركي متخصص في السياسات العامة ينشر بترتيب خاص مع «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»