يزداد تدفق الأنباء والتقارير يوماً بعد يوم عن تدخل عسكري في ليبيا تقوم به الولايات المتحدة بالتعاون مع إيطاليا وبريطانيا وتشارك فيه فرنسا من خلال توجيه عدد من الضربات الجوية المركزة لقواعد تنظيم «داعش» في ليبيا بعد أن تمدد على الساحل الليبي وتوفرت معلومات استخبارية تشير إلى نية التنظيم إرسال مقاتليه عبر مراكب الهجرة غير الشرعية إلى الشواطئ الأوروبية، ونلاحظ بطبيعة الحال أن هذه الأنباء والتقارير تتحدث عن درجة التدخل وليس عن حدوثه، إذ إنه من نافلة القول إن التدخل حاصل بالفعل كما يتضح من الضربات الجوية المركزة التي وجهتها الولايات المتحدة إلى معسكر تدريب بمدينة صبراتة مما أسفر عن مقتل 42 من عناصر التنظيم أغلبهم من تونس. ولن يكون هذا التدخل إذا وقع هو الحالة الأولى، فمن المعروف أن مجلس الجامعة العربية كان قد دعا مجلس الأمن في 2011/3/12 إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بفرض حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي فوراً، وإقامة مناطق آمنة في الأماكن المعرضة للقصف كإجراءات وقائية لتوفير الحماية لأبناء الشعب الليبي والمقيمين في ليبيا. وبالفعل أصدر المجلس قراره بعد خمسة أيام من قرار الجامعة، الذي تضمن عدداً من التدابير والإجراءات، منها فرض حظر على جميع رحلات الطيران فوق الأجواء الليبية بهدف حماية المدنيين باستثناء رحلات الإمداد الإنسانية، كما دعا القرار جميع الدول الأعضاء إلى اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين والمناطق السكنية التي تواجه تهديداً في ليبيا مع استبعاد إرسال قوة احتلال بأي شكل على أي جزء من الأراضي الليبية. وبناءً على هذا القرار بدأت في 2011/3/19 عملية عسكرية قام بها تحالف دولي قادته الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وأدت كما هو معلوم إلى انتصار الثورة، غير أنها تركت ليبيا على الحال الذي ما زالت تعاني منه حتى اليوم. ولا يبدو أن أحداً من دول الجوار العربية لليبيا يريد التدخل هذه المرة فقد توحدت الدول المغاربية في رفضها هذا التدخل وشدد المسؤولون في هذه البلدان على أن تدخلاً كهذا غير محسوب العواقب وقد تتعدى نتائجه حدود ليبيا، وشاركت مصر هذه الدول في رفض التدخل، بل إن المبعوث الأممي لليبيا أبدى بدوره رفضه أي تدخل عسكري دولي، فما هي مبررات الرافضين؟ يقول المبعوث الأممي بحق أن الضربات الجوية لا تكفي لهزيمة «داعش»، وإن الأمر يتطلب إذن تدخلاً برياً، غير أن هذه التدخلات لها مثالبها لأنها لا تجلب حلولاً بعيدة المدى. ويشدد المسؤولون المغاربيون والمصريون على التداعيات المتوقعة للتدخل وبالذات احتمال أن يؤدي إلى تدفق اللاجئين عبر الحدود وهو كابوس مزعج لهذه الدول بكل تأكيد. ولاشك أن هذه الدول تتخوف كذلك من أن يؤول هذا التدخل إلى ما آل إليه سابقه بأن يزيد التمزق والتشرذم في ليبيا. فما الحل إذن لدى الرافضين؟ ثمة ما يشبه الإجماع على أن التدخل يجب أن يأتي من الليبيين أنفسهم وألا يأتي بمبادرة من أحد غيرهم، وبما أنهم ليسوا حتى الآن على قلب رجل واحد فإن المعنى الأكيد لوجوب أن يأتي التدخل بطلب ليبي أن تعطى الأولوية لدعم خطى الحل السياسي بموجب اتفاق الصخيرات الذي عقد بين الليبيين برعاية أممية. وبما أن ثمة خلافات حتى الآن على تطبيق الاتفاق، وبالذات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فإن كافة الجهود العربية والدولية ينبغي أن تتجه إلى المساعدة على وصول الحل السياسي إلى نهايته. وحتى بعد ذلك فإنه ليس من الضروري أن تطلب حكومة الوحدة الوطنية تدخلاً دولياً وإنما الأفضل أن يباشر المجتمع الدولي تقوية القدرة العسكرية الليبية من خلال تزويد حكومة الوحدة الوطنية بالسلاح وإتاحة خدمات التدريب لها. وقد أشار المبعوث الأممي إلى هذا تحديداً بتصريحه أن ثمة بدائل لدعم الليبيين، منها على سبيل المثال تدريب قوات الأمن الليبية، بل إنه أضاف أن ألمانيا تخطط لذلك بالفعل. كفانا تدخلاً دولياً إذن ينتزع منا القدرة على اتخاذ القرارات الواجبة التي تتسق والمصالح العربية.