صعّدت دول مجلس التعاون، في الأسبوع الماضي، بشكل قوي وغير مسبوق تجاه إيران وأذرعها في المنطقة، وذلك بتطورين ملفتين: الأول، قرار دول مجلس التعاون باعتبار «مليشيا حزب الله، بكافة قادتها وفصائلها والتنظيمات التابعة لها والمنبثقة عنها، منظمة إرهابية، جراء استمرار الأعمال العدائية التي يقوم بها عناصر تلك المليشيات لتجنيد شباب دول المجلس للقيام بالأعمال الإرهابية، وتهريب الأسلحة والمتفجرات، وإثارة الفتن. والتحريض على الفوضى والعنف في انتهاك صارخ لسيادتها وأمنها واستقرارها». وهذه خطوة متقدمة لم تُقدم عليها حتى الولايات المتحدة وأوروبا، وتمثل ضربة قوية لجميع أجنحة «حزب الله» اللبناني الذي بات عنفه عابراً للحدود ويشتبك في سوريا والعراق واليمن، وانصرف عن مهمة المقاومة التي كان يزعم، ليصبح سلاحاً يُستخدم ويوجه للداخل اللبناني كما فعل في عام 2008، ثم ليقاتل مصطفاً مع نظام قمعي يقتل شعبه في سوريا، ويتآمر مع الانقلابيين الحوثيين في اليمن، ويخطط لعمليات انتحارية في الرياض وقد شاهدنا ذلك بالصوت والصورة، كما شاهدنا أيضاً جثث مسلحي «حزب الله» في توابيت بأعلام صفراء تعود يومياً من ساحات القتال في سوريا. وقد شهدنا خلال هذين الأسبوعين تحركاً خليجياً حاسماً، بقيادة سعودية، في الاستمرار في خط الحزم الذي بدأ قبل ثلاثة عشر شهراً في «عاصفة الحزم» باليمن، لمواجهة واحتواء مشروع تدخلات إيران وأذرعها في المنطقة، حيث يهدد ذلك المشروع الأمن والاستقرار الإقليمي ويفرض استقطاباً وفرزاً مذهبياً مدمراً، من دعم طهران وتوفيرها غطاء لنظام الأسد، إلى مساندة ممارسات المالكي الطائفية الموغلة في استهداف المكون السني في العراق، ولاحقاً سياسات حيدر العبادي الذي أتى بترتيبات أميركية- إيرانية، فاستمر الاستهداف وزاد العنف المذهبي بتشريع «الحشد الشعبي» وجرائمه الطائفية وما يقترفه من إجرام وتطهير مذهبي، كما هو الحال في ديالى والمقدادية وتكريت والفلوجة والرمادي.. وكما سنرى في مناطق ومدن سنية أخرى بحجة محاربة «داعش». وكذلك أتى وقف الهبة السعودية لتسليح الجيش وقوى الأمن اللبنانية المقدرة بأربعة مليارات دولار. وأعقبها اصطفاف خليجي يطلب من المواطنين الخليجيين عدم السفر إلى لبنان. وواضح أن هناك تصميماً خليجياً، بقيادة سعودية، على مواجهة استهداف إيران وحلفائها وأذرعها من الخليج إلى المحيط. وهذا النهج سيتصاعد وسيطبق قرار دول مجلس التعاون بعد تصنيف «حزب الله» منظمة إرهابية، وفي الطريق تنظيمات ومليشيات طائفية أخرى مشابهة له. وكان التطور الثاني بالغ الأهمية لجهة تصويب مفهوم الحرب على الإرهاب، على لسان سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة، في موقف متقدم وجريء، أثار غضب واحتجاج النظام العراقي والمليشيات الطائفية المسلحة التي تعمل تحت غطاء الحكومة العراقية ورئيس الوزراء العبادي بالتحديد، بعد تصريح الشيخ ?عبد الله ?بن ?زايد، في ?مؤتمر ?صحفي ?مع ?نظيره ?وزير ?الخارجية ?الروسي ?سيرغي ?لافروف ?في ?موسكو: «?لا ?يمكن ?أن ?يكون ?هناك ?أي ?تلكؤ ?من ?أي ?طرف ?أن ?هناك ?إرهاباً ?جيداً ?وإرهاباً ?ضاراً.. كما ?لا ?يمكن ?لنا ?أن ?نبرر ?الإرهاب، ?وللقضاء ?على ?الإرهاب ?لابد ?من ?البحث ?عن ?كل ?ما ?يؤدي ?إلى ?الإرهاب، ?وأن ?نقضي ?عليه»?. فلا ?يمكننا ?أن ?نفرق ?بين «?داعش» ?و«النصرة» ?من ?جهة، ?والجماعات ?المدعومة ?من طرف ?إيران ?في ?سوريا ?والعراق من جهة أخرى. وإذا ?كنا ?نريد ?القضاء ?على «?داعش» ?و«النصرة»، مرة ?واحدة ?وننتهي ?من ?ذلك، لا ?يمكن ?أن ?نرى ?من موقع المتفرج «كتائب ?أبو ?الفضل ?العباس» ?وجماعة «?بدر» ?و«الحشد ?الشعبي» ?و«حزب ?الله» ?وما ?يفعلونه ?بأبناء ?الشعبين ?العراقي ?والسوري. وهذا موقف حصيف يستحق الإشادة وشكراً لسمو الشيخ عبدالله بن زايد على صراحته وجرأته في تصريحه ومضمونه ومكانه في موسكو. وهذا ما يجب أن يكون موقف القادة والمسؤولين العرب إذا كانت هناك بالفعل جدية وتصميم من المجتمع الدولي والتحالف الدولي الذي يقاتل «داعش» منذ أغسطس 2014. ويبدو واضحاً أن صراحة سمو الشيخ عبدالله بن زايد قد أزعجت وآلمت النظام في العراق، والمكونات والمليشيات التي يؤمّن النظام لها الغطاء والتي تكرس الشرخ الطائفي والفتنة والصراع المذهبي، ومع ذلك لا تُصنف بأنها منظمات إرهابية من قبل القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة التي تغض الطرف عن ممارساتها ودورها الذي يزعزع الأمن والاستقرار. وقد تكرست نظرية خلال فترة العقد ونصف العقد الماضية، أن التطرف والإرهاب هو في الأساس إرهاب سُني. وأن المستهدف هو الإرهاب السني دون الشيعي. ولذلك لم تُصنف عشرات التنظيمات الإرهابية الطائفية وعلى رأسها «الحشد الشعبي» والفصائل التي تقاتل في العراق وسوريا على أنها منظمات ومليشيات إرهابية. ويجب تصنيف جميع التنظيمات التي تطرق لها سمو الشيخ عبدالله بن زايد، من قبل دول مجلس التعاون الخليجي، ووضعها على قائمة المنظمات الإرهابية، وحشد الموافقة على ذلك عربياً وإسلامياً ودولياً. وتوثيق الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها تلك المليشيات الطائفية المدعومة والمساندة من قبل إيران وحلفائها، التي توظفها وقوداً ومتراساً لتحقيق تمدد مشروع الهيمنة الإيراني في المنطقة. إنها معركة طويلة ومكلفة وبحاجة لتصميم وحسم وإجماع!