كثيراً ما يوصف الطب بصفات تظهِر وتميز الفلسفة أو المفاهيم العلمية الأساسية التي تعتمد عليها الممارسات اليومية الإكلينيكية، بداية من الوقاية، مروراً بالتشخيص، ونهاية بأسلوب العلاج. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك الطب الشعبي، والطب التقليدي، والطب البديل، والطب العشبي أو طب الأعشاب، بالإضافة طبعاً إلى الطب الحديث. ومؤخراً زاد الاهتمام بمفهوم خاص في الممارسات الطبية، يعرف بالطب الشخصي (Personalized Medicine)، وأحياناً ما يطلق عليه الطب الدقيق أو المحدد (Precision Medicine). ويُبنى هذا المفهوم الطبي على أن الأشخاص أو الأفراد مختلفون في تركيبتهم الوراثية، والتشريحية، وفي العوامل البيئة التي يتعرضون لها، وفي السلوك أو نمط الحياة. وهو ما يجعل من الضروري (تفصيل) الممارسات الطبية، من تشخيص وعلاج، حسب الشخص أو طبقاً لصفات مجموعة من الأشخاص. وهذا التباين في احتمالات وقوع الشخص فريسة لمرض ما أو في مدى استجابته للعلاج، يتضح من حقيقة أن العديد من الأدوية والعقاقير الطبية التي تستخدم لعلاج الأمراض السرطانية، لا تظهر فعالية إلا في 25 في المئة من المرضى، بينما لا يستجيب الباقون لها، أي 3 من كل 4 من المرضى. وعلى المنوال نفسه، نجد أن الأدوية والعقاقير المستخدمة لعلاج الاكتئاب تنجح في علاج 60 في المئة من المرضى فقط. وإذا ما نظرنا إلى فعالية الأدوية والعقاقير التي تستخدم لعلاج الحالة المعروفة بنقص التركيز المصاحب بفرط النشاط (ADHD)، لدى الأطفال في سن ما قبل الالتحاق بالمدرسة، فسنجد أنها تفيد 10 في المئة منهم فقط، بينما تفشل في الـ90 في المئة الباقين. وهذه الأمثلة، وغيرها كثير، تظهر أن أفراد البشر ليسوا نتاج خط تجميع، كذلك الموجود في مصانع السيارات، بل إنه بالإضافة إلى الاختلافات في الشكل، والطول، ولون البشرة، والعينين، والشعر، توجد هناك أيضاً اختلافات بيولوجية داخلية. وهذه الاختلافات تبدأ من التركيبة الوراثية أو الجينوم، حيث يتميز كل فرد من أفراد الجنس البشري -وعددهم يزيد عن سبعة مليارات حالياً- بتركيبة وراثية مميزة، ومختلفة عن بقية البشر. وإنْ كان معظم هذه الاختلافات لا يؤدي إلى أثر مباشر على الصحة، ولكن إذا ما أضفنا للتباين الوراثي، الاختلاف في السلوك الشخصي، وفي العوامل البيئية، فستتضح الصورة حينها. فإذا أخذنا مثالاً من شخصين، كلاهما لديه استعداد وراثي للإصابة بالسكري من النوع الثاني، الأول منهما يعتمد على غذاء صحي متوازن، ويمارس الرياضة ويقوم بنشاط بدني، بينما الثاني يعتمد على غذاء مرتفع المحتوى من السعرات الحرارية، ولا يمارس الرياضة أو النشاط البدني، ما أدى إلى زيادة وزنه وإصابته بالسمنة، ففي الغالب سيصاب الشخص الثاني بالسكري، بينما يظل الشخص الأول سليماً من المرض. وحتى إذا ما افترضنا وجود شخص ثالث، لا يوجد لديه استعداد وراثي للسكري، ولكن سلك سلوك الشخص الثاني نفسه، أو قضى حياته في وظيفة مكتبية لا يبذل فيها جهداً بدنياً يذكر، فسيصاب أيضاً بالسكري في الغالب. والفرق بين الشخصين الثاني والثالث، أن الاستعداد الوراثي لدى الشخص الثاني أدى إلى إصابته بالسكري عند وزن أقل، بينما يحتاج الشخص الفاقد للاستعداد الوراثي، إلى زيادة وزنه بقدر أكبر بكثير من الشخص الثاني، كي يصاب بالسكري. بينما يظل الشخص الأول، المؤهل وراثياً، خالياً من المرض، بسبب سلوكه الشخصي الصحي. وهذا المثال على بساطته، يظهر النتائج النهائية للتفاعل بين الوراثة، والسلوك الشخصي، والبيئة، وآثار هذا التفاعل على الصحة والمرض. ويأمل الأطباء في الدفع بهذا المفهوم، إلى حدود ما بعد تقدير احتمالات الإصابة بمرض أو بآخر، إلى تفصيل أدوية وعقاقير، حسب التركيبة البيولوجية للشخص، تماماً كما يفصل الخياط قميصاً أو بدلة حسب الطول والعرض، وبقية تفاصيل الجسد. فحالياً، كثيراً ما يلجأ الأطباء لأسلوب شبيه بالمحاولة والخطأ، في تجربة بعض أنواع العلاج على الشخص، إلى أن يتم العثور على علاج يتناسب مع تركيبته البيولوجية، ويمكنه شفاء مرضه. ولذا يُجرى حالياً العديد من الأبحاث والدراسات الرامية إلى فهم اختلاف استجابة الأشخاص للعقار أو الدواء نفسه، وتوجيه المريض من البداية إلى العقار الذي سيكون أكثر فعاليه في حالته، أو ربما حتى تفصيل أو تصنيع عقار يتناسب مع تركيبته الوراثية أو البيولوجية. وهذا المفهوم الأخير، هو محور الأبحاث التي تجرى حالياً عن استخدام العلاج المناعي ضد الأمراض السرطانية، فمن خلال معرفة شكل وتركيب ومكونات البروتينات الموجودة في خلايا سرطانية -والتي كثيراً ما تختلف من شخص إلى آخر- يمكن تدريب وتمرين خلايا جهاز المناعة للمريض، على مهاجمة وقتل الخلايا السرطانية التي تتصف بهذه الصفات فقط، ما سيجعل لكل مريض علاجه المميز والفريد من نوعه.