في الأيام الماضية قمت بزيارات مكوكية شملت أربع دول عربية مشهورة لدينا كعرب بكثرة التيارات الفكرية، وبها رموز مشهورة بالعطاء وبعد النظر، وبها مدارس تتلمذ عليها العرب في مجال الفكر وحرية التعبير عن الرأي. اجتهدت لاقتناء صحف كل دولة، وتأملت في برامجها الإعلامية، وبالذات برامج الحوار المباشر. وخلصت إلى نتيجة لا أستطيع تعميمها، ولا أدعي أنها بنيت وفق منهجية علمية، لكنها مجرد خواطر فكرية يمكن للقارئ الكريم قبولها أو دحضها. الخلاصة التي وصلت لها أن العقل العربي تم حبسه في سجن فردي، وبقرار شخصي من أولي الألباب الذين يحتاجهم الواقع العربي اليوم أيما حاجة لإنارة الطريق كي تتمكن القافلة من السير على هدى، بعيداً عن العاطفة الجارفة. الصحف في تلك الدول تميزت في الغالب بضحالة الفكر الذي جرى به الحبر، حتى إنني سمعت من قال لي إن قيمة الورق المنشور أغلى من الكلام المسطور. أما الملاحظة الثانية التي ترتبط بالصحف، فهي التناغم بينها في ما يرتبط بمجتمعها، وكأن كل الجرائد التي اطلعت عليها يديرها رئيس تحرير واحد، رغم أنها تنتمي لمدارس فكرية متباينة. الأعجب أن الجرائد الوطنية والقومية في تلك الدول تكتب ما تشاء عن الغير، لكنها لا تخط إلا الجميل عن مجتمعاتها. إن حرية القلم في المجتمعات العربية جعلت الممتهن للصحافة يخط ما يشاء حتى لو انتقد سياسة الولايات المتحدة الأميركية، وربما علق على أفكار رئيسها، وقد يسفه أحلام بعض قادة دول العالم، وفي المقابل لا يستطيع كتابة كلمة واحدة عن المشاريع المنفذة في بلادة إلا بمداد تم صياغته بذهب، وفي ذلك كل العجب! ولو تحولنا من الكلمة المسطورة إلى العبارة المشاهدة عبر التلفاز، لرأيت أن المشهد تم اقتباسه، فبرامج التمجيد لكل ما يجري في الأوطان تم إطلاق العنان لها. أما أعمال الفكر وبعد النظر فقد تم حصر برامجها في مجريات الأحوال خارج الأسوار. الجانب المشترك الذي امتاز به الإعلام العربي فيما رأيت يتلخص في العاطفة ببرامجها الرائدة، فقد سخرت لها ميزانيات هائلة، وتنوعت فقراتها بين مشاهد درامية وأغانٍ نارية وبرامج ساخرة هي أقرب للعاطفة منها للعقل. الكثير من دول العالم العربي ألغت وزارة الإعلام تماشياً مع شعار الحرية التي تكفلها الدساتير العربية والشرائع الدولية لأصحاب الأقلام، وهذه قرارات أشادت بها المنظمات الدولية المتخصصة، بل إن القوانين التنفيذية في جل الدول العربية أعطت الإعلاميين حصانة قانونية تحول دون سجنهم بناء على مواقفهم أو وجهة نظرهم، ما سبق يدفعنا للتساؤل عن مصدر قرار حبس الفكر العربي. البعض يتهم الرقيب الذاتي، والذي تقوده سياسة التحرير في بعض المؤسسات الإعلامية التي أضحت في قراراتها «ملكاً أكثر من الملوك أنفسهم». بعض الدارسين والعارفين بخفايا الأمور يضع إصبعه على المفكرين أنفسهم. فرغم أن دولهم رفعت حاجز الحرية المتاحة لهم، فإن عقولهم أبت عليهم التحرك إلا في إطار ضيق، جعلهم يستنسخون بعضهم، ويكررون أفكار غيرهم، وإن كانت لديهم شجاعة أدبية فهي لخارج دولهم ومجتمعاتهم. الإعلام هو القضاء المفتوح على الهواء، يحاكم وفق القانون بعقله من يشاء، لأن حرية التفكير لا تنفصل عن حرية التعبير.‏?