انتهت الحلقة المهمة في الانتخابات الأولية للرئاسة الأميركية يوم الثلاثاء الأول من مارس، فيما سُمّي بـ«يوم الثلاثاء الكبير»، وهو اليوم الذي يتم فيه التصويت الأوّلى داخل كل حزب على مرشحيه للانتخابات في اثنتي عشرة ولاية أميركية. وكما توقّع الجميع، فقد فاز كل من المرشحين الرئيسيين، دونالد ترامب في الحزب الجمهوري، وهيلاري كلينتون في الحزب الديمقراطي، بمعظم أصوات الناخبين في هذه الولايات. فاز ترامب في معظم الولايات الجنوبية، ولكن أيضاً في ولايتين شماليتين معروفتين بتوجههما الليبرالي، وهما ولايتا ماساتشوستس وفيرمونت. وبذلك، جمع ترامب -حتى الآن- 315 صوتاً مقابل 205 أصوات لتيد كروز (المنافس الجمهوري الثاني)، و106 أصوات لماركو روبيو، المرشح الجمهوري الثالث. وبالنسبة للمترشحة هيلاري كلينتون، فقد فازت بأكثر من ضعفي أصوات منافسها الأقرب بيرني ساندرز بـ1055 صوتاً، مقابل 418 صوتاً ذهبت لساندرز. وينبغي أن يحصل المرشح الجمهوري على 1237 صوتاً في المحفل الانتخابي الجمهوري هذا الصيف، حتى يتمكن من ضمان ترشيح حزبه له. وفي المقابل، يتحتّم على المرشح الديمقراطي الأول أن يحصل على 2833 صوتاً في المحفل الديمقراطي الذي يُعقد كذلك خلال الصيف المقبل. وتمتلئ الصحف والتلفزيونات الأميركية الآن بالتحليلات حول المزاج العام للناخب الأميركي هذا العام. فقد أثّرت المجزرتان اللتان حدثتا في كلٍّ من سان برنارندينو وباريس قبل أشهر قليلة على هذا الناخب، وجعلته يميل إلى اليمين، بل وفي بعض الأحيان يتبنّى مقولات المرشح دونالد ترامب العنصرية ضد المسلمين، حيث قال: «إنه سيمنع دخول المسلمين غير الأميركيين إلى الأراضي الأميركية». وهذه مقولة عنصرية بالكامل في بلدٍ بُني على الهجرة منذ نشأته وحتى الوقت الحاضر. وما كان لمثل هذه الدعاية الانتخابية أن تفوز إلا بفعل أعمال «داعش» الإرهابية في العالم العربي، وكذلك في البلدان الغربية. ولنكن محايدين بشكلٍ أكبر، فإنّ عدداً كبيراً ممن صوّتوا لترامب، لم يكونوا بالضرورة عنصريين، فهناك من صوّت له لأنه من خارج الطبقة الحاكمة في واشنطن، مع أنه «ملياردير»، يملك ناطحات سحاب في نيويورك. ولكن الناخب الأميركي خلال العقود الأخيرة تعوّد الترحيب بأي سياسي يطرح نفسه كمضاد للنخبة الحاكمة في واشنطن. ولعلّنا نذكر مقولات الرئيس أوباما في حملته الانتخابية عام 2008، حينما كان يهاجم سياسات تلك الطبقة الواشنطونية. وترامب لا يثير خوف المسلمين الأميركيين وحدهم، بل يخيف أيضاً الأقلية السوداء، وكذلك الأقلية الإسبانية. وقد هوّن من الدعم الذي أبداه نحوه زعيم حركة (kkk) العنصرية، ويصف السود في الولايات المتحدة هذه الحركة بأنها حركة إرهابية، قتلت وشنقت العديد من السود، وأحرقت منازلهم، خاصةً في بعض المدن الجنوبية. وفي المقابل، تنظر الأقلية الإسبانية في الولايات المتحدة نظرة متشائمة تجاه المترشح ترامب، فهو يطالب بترحيل العديد من الأسر التي هاجرت بشكلٍ غير شرعي من المكسيك، وغيرها من بلدان أميركا الجنوبية، إلى الولايات المتحدة، ويطالب كذلك ببناء جدار عازل بين بلاده والمكسيك، ليمنع المهاجرين المكسيكيين من الهجرة غير الشرعية إلى الولايات الأميركية المتاخمة. وبمعنى آخر، فدعاية ترامب الناجحة موجهة إلى الأغلبية البيضاء في الولايات المتحدة، التي تجد نفسها وهي في طريقها لفقدان حجم أغلبيتها، خاصةً في المدن الكبرى، لصالح جماعات ملوّنة قادمة من حدودها الجنوبية أو جماعات عربية وآسيوية لا تشاركها في الدين أو العبادة، وربما مثّلت خطراً أمنياً في بعض عناصرها من الشباب. فالخوف العنصري من الآخر، كملوّن أو أسود قادم من وراء الحدود، هو ما يحرّك المشاعر البيضاء المنقادة لهذا الملياردير الذي يريد أن يتزعّم حركة شبه عنصرية بيضاء، تزعم أنها ستقوم بحماية البيض من الطوفان المزعوم للجماعات الملوّنة التي ستغيّر من طبيعة البوتقة البشرية الأميركية. ومثلما يصوّت معظم البيض من اليمين لصالح ترامب، فإن الخوف من قدوم مثل هذا السياسي إلى البيت الأبيض، يؤثّر على الناخب الأسود. فـ80% من السود سيصوّتون لصالح هيلاري كلينتون لأنها تمثّل حاجزاً سياسياً قوياً سيقف في وجه طموحات ترامب السياسية. أما حظوظ المرشحين الآخرين فهي محدودة بشكلٍ كبير، فساندرز لم يفز إلا في ثلاث ولايات، إحداها مسقط رأسه، وهو يطرح أفكاراً اشتراكية تستقطب استحسان الشباب في عددٍ من الولايات الليبرالية، بما فيها ولاية كولورادو. أما المرشحان الجمهوريان الآخران -تيد كروز وماركو روبيو- فيمثلان التيار الشبابي في الحزب الجمهوري، ويحصلان على دعم القيادات السياسية التقليدية للحزب. ولكنهما غير قادرين، حتى الآن، على اجتذاب غالبية أصوات الناخبين الجمهوريين خارج قواعدهما الانتخابية. ولأول مرة تفشل القيادات السياسية التقليدية الجمهورية في دعم مرشح بديل عن المرشح ترامب. وبالنسبة لهيلاري كلينتون، فمسألة ترشيحها في المحفل الديمقراطي هذا الصيف باتت أقرب ما تكون. وهي لا تحظى بدعم الشباب من الديمقراطيين، ولكن كبار السن والنساء والأقليات سيصوّتون لها بشكلٍ كبير. ومثل هذا التحالف الديمقراطي بين النساء والأقليات أضحى منذ عقود عدّة هو الكتلة الانتخابية القوية التي تدعم أي مرشح يحظى بثقتها، سواءً في الانتخابات الأولية أو في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل. ويبقى في النهاية أن نقول إنّ دونالد ترامب، وإن نجح في تبنّي ترشيح حزبه هذا الصيف، فلن ينجح في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، إلا إذا حدثت أعمال إرهابية جديدة على الأراضي الأميركية، تدفع الناخب الأميركي إلى الخوف، بحيث يعطي صوته لمرشح مثل ترامب، يتبنّى مقولات عنصرية، تسيء إلى التراث الثقافي والحضاري للولايات المتحدة. ------------ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود