كانت 2014 سنة مفصلية في تاريخ العالم الحديث. ذلك أنه في هذه السنة قامت روسيا الطامحة لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي بضم القرم وإذكاء حرب أهلية في شرق أوكرانيا، وفيها خسر عراق ما بعد صدام، الذي يُعد من عدة نواح صنيعة الولايات المتحدة بسبب الغزو الأميركي في 2003، ثلث أراضيه لجيش المتطرفين، وفيها أيضاً كادت عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين تنهار كلياً. على أن الحدث الأبرز في هذه السنة يظل بسط «داعش» سيطرته على أجزاء واسعة في شمال العراق وشمال شرق سوريا، وجذبه أفواجاً من الراغبين في القتال ضمن صفوفه من أوروبا والشرق الأوسط. بعبارة أخرى، إن النظام الأمني الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة أخذ يتفكك وينهار. في كتاب «عام الدم»، يقدم ديفيد كيلكلن، الذي يُعتبر أحد مهندسي الاستراتيجية الأميركية في المراحل الأخيرة من غزو العراق، صورة للمشهد الحالي في الشرق الأوسط الغارق في الفوضى والحروب، محاولًا استجلاء الأسباب التي أفضت إلى هذا الوضع الأمني الكارثي، لاسيما في العراق، فيقول: «الحقيقة المرة هي أن أحداث 2014-2015، تمثل فشلاً لاستراتيجية محاربة الإرهاب الغربية مثلما عرفناها منذ 2001، حيث بتنا اليوم أسوء حالاً مما كنا عليه قبل 11 سبتمبر، أمام عدو أكثر قوة وتحفزاً وخطراً من أي وقت مضى»، في إشارة إلى تنظيم «داعش». كيلكلن كان مستشاراً للجنرال الأميركي ديفيد بترايوس الذي أشرف على «الزيادة» المشهورة في عديد القوات الأميركية في العراق عام 2007، وهي الاستراتيجية التي قامت على تعزيز الوجود العسكري الأميركي في العراق بقوات إضافية كبيرة، واستقطاب مقاتلي العشائر السنية والاستعانة بهم على محاربة «القاعدة». والحال أن الجهاديين، الذين تحولوا لاحقاً إلى «داعش»، لم يكن لهم أي وجود تقريباً في العراق قبل الغزو الأميركي، لكنهم استغلوا ذلك الغزو لتحويل البلاد إلى ساحة قتال وإشعال حرب طائفية في المنطقة باتت اليوم تمزق سوريا أيضاً. بعبارة أخرى، يجادل كيلكلن بأنه كان على الولايات المتحدة ألا تذهب إلى العراق، في وقت لم تكمل فيه بعد مهمتها في أفغانستان. أما وقد حدث ما حدث، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها ملزمون قانونياً وأخلاقياً بالسعي لـ«وقف المذابح.. وإعادة بعض مظاهر الوضع الطبيعي». المؤلف يعترف بأن أوباما انتُخب بعد حملة انتخابية تعهد فيها بسحب الأميركيين من حروب الشرق الأوسط، لكنه يعتبر أنه تخلى عن العراق مبكراً، وبشكل غير مسؤول. كما يعيب عليه أنه لم يتدخل عندما كان رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي يدفع سنّة العراق دفعاً إلى أحضان الجهاديين، بسبب سياساته الطائفية ضد السنة. وبينما كانت تحتضر «القاعدة» في العراق، أغفل العالم انبعاثها من بين أنقاض الحرب في سوريا. وهكذا، كان التهور والتسرع في العراق متبوعاً باستهتار وانعدام مسؤولية في سوريا، كما يقول. وبينما دعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى سقوط نظام بشار الأسد، ورفضت مد الثوار المعتدلين بالوسائل اللازمة للإطاحة به، ووقفت موقف المتفرج حينما كان المتطرفون يملؤون الفراغ، أعاد أعضاء «القاعدة» الناجون رص صفوفهم، وتحالفوا مع ضباط سابقين في جيش صدام حسين، الذي تم حله بعد الغزو. وهكذا كانت ولادة «داعش». وعليه، فإن الولايات المتحدة أطلقت العفريت من قمقمه، وبالتالي فإنها تتحمل المسؤولية وعليها أن تسعى، على الأقل، للإبقاء عليه تحت السيطرة، لكن مسؤولي الإدارة الأميركية يعتبرون أن الخسائر في الرمادي وتدْمر مجرد انتكاسة يمكن التعامل معها. غير أن كيلكلن يشدد على ضرورة أن تعيد الولايات المتحدة انخراطها مع المنطقة، لأنها مسؤولة إلى حد كبير عن الوضع الحالي. محمد وقيف الكتاب: سنَة الدم.. إخفاق جهود محاربة الإرهاب الغربية المؤلف: ديفيد كيلكلن الناشر: أوكسفورد يونِفرستي برِس تاريخ النشر: 2016