يتعرض دونالد ترامب المتسابق على ترشيح الحزب الجمهوري لخوض انتخابات الرئاسة الأميركية لانتقادات شديدة، بسبب إعادته نشر تغريدة تتضمن مقولة يقال إنها للطاغية الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني، بعد أن نصب صحفي من شركة «جاوكر ميديا» الصحفية الأميركية فخاً له على موقع «تويتر». والمضحك في الأمر أن عبارة «من الأفضل العيش يوماً كأسد بدلًا من العيش مئة عام كخروف» التي تضمنتها التغريدة التي أعاد ترامب نشرها، ليس منشؤها في الحقيقة موسوليني. ويستهوي بعض الناس أن يدققوا في الحقائق التي يقولها ترامب حتى يظهروا مدى جهله وضحالته. وفي الآونة الأخيرة، أثناء كلمة في الحملة الانتخابية في ساوث كارولينا، سرد ترامب قصة ملفقة عن قيام الجنرال الأميركي جاك بيرشينج بإعدام متمردين إسلاميين في الفلبين برصاصات مغموسة بدم خنازير! وانتشر دحض القصة في كل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. ثم انتشر خبر في كل مكان من «نيويورك تايمز» إلى هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي. سي»، بل وفي الصحف الإيطالية، مؤداه أن ترامب أعاد نشر تغريدة احتوت على مقولة لموسوليني. وكان حساب @ilduce2016 قد نشر مقولة موسوليني سالفة الذكر في حساب ترامب لحملته الانتخابية على «تويتر». وبعد ظهور هذه التغريدة أعلنت شركة «جاوكر ميديا» أن الحساب أنشئ في ديسمبر الماضي لنشر مقولات موسوليني في حساب ترامب أملًا في أن يعيد ترامب نشرها. ووقع ترامب في شرك الحيلة. وكتب الصحفي «أليكس بارين» من «جاوكر ميديا» أنه في وقت إنشاء الحساب عبر «جون كوك» مدير التحرير التنفيذي للشركة عن بعض المخاوف من أن «المزحة وراء الحساب أكثر سذاجة من أن تنطلي على أحد ما لم يكن محض أحمق». ولكن من الجدير بالذكر أيضاً أن مجلة «تايم» نسبت العبارة المقتبسة إلى موسوليني في قصة نشرت في 2 أغسطس عام 1943. وظهرت العبارة على بعض العملات الإيطالية أثناء حكم موسوليني. ولكنها في الواقع قول مأثور منحدر من منطقة «إيميلا رومانا» التي ولد فيها موسوليني. وقد دخل هذا القول المأثور القاموس السياسي بعد أن كتبه جندي إيطالي على جدار أحد المباني في معركة دارت رحاها عام 1918. وكان الجيش النمساوي المجري قد هاجم القوات الإيطالية على ضفاف نهر في شمال إيطاليا، ولكنه مُني بفشل ذريع. وكانت الهزيمة من المسامير الأخيرة في نعش الإمبراطورية النمساوية المجرية المتداعية، ولحظة فخر لإيطاليا. وقطعة الجدار التي كتب عليها ذلك القول المأثور محفوظة في متحف عسكري في شمال إيطاليا. وبالطبع، لا يعرف ترامب ما إذا كانت المقولة تعود إلى موسوليني، أم أنها شعار في الحرب أو مقولة إيطالية مأثورة. ولم ينتبه ترامب على الأرجح إلى أن الحساب الذي نشر التغريدة يحمل اسم «الدويتشي» (وتعني الزعيم)، وربما أنه لا يفهم الإيطالية. وفي برنامج «مقابلة مع الصحافة» لتلفزيون «إن. بي. سي» قال ترامب: «إنها مقولة جيدة للغاية... لا أعرف من قالها. ولكن ما الفرق إذا كان موسوليني أو أي شخص آخر هو قائلها. إنها مقولة جيدة للغاية». وترامب محق. فقوة المقولة جعلتها شعاراً شعبوياً، ولذا استخدمها موسوليني، واستخدمها ترامب بحسه الفطري للمقتبسات السياسية. والأمر لا يتعلق بجهل ترامب أو فشل بعض الصحفيين في التحقق من مصدر المقولة قبل الإلقاء بها في حسابه على تويتر. والأمر لا يتعلق بالآراء التي يُعتقد أنها فاشية لدى ترامب. فالمقولة لا تنطوي بالضرورة على فاشية أو شمولية. وأنا أشك في أن ترامب يعتنق أي آراء أصلًا على الأقل بعد فترة قصيرة من خروج الكلام من فمه. ولكنه يعرف أي الكلمات ستلقى صدى عند الناس الغاضبين. ولذا لا يهم ناخبيه مصدر مقتبساته أو قصصه مثل قصة الجنرال بيرشينج. وترامب لا يستخدم اللغة لينقل معلومات بل يستخدمها ليحرك العواطف. وكلماته لها وقع صوت الأسلحة وليس الحديث! فالمعلومات معقدة والمعرفة متناثرة في كل مكان. والعواطف التي ترتدي ثوب المعلومات بسيطة وقوية. وفحص الحقائق ليس جوهرياً ببساطة فيما يتعلق بما يجري، من وجهة نظره. وكل مجتمع فيه عدد من الناس يريدون مثل هذه الإشارات. وعندما يصبح أمثال هؤلاء أغلبية يستطيع سياسي بلا مبدأ أن يستخدم هذه الإشارات ويقيم نظام حكم مروعاً. وحتى الآن فاز ترامب بأكثرية أصوات الجمهوريين في عدة ولايات. والولايات المتحدة متأهبة تقريباً لاستقبال موسوليني زائف. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»