منذ تقسيم فلسطين في عام 1947 تعيش الأمة بشقيها العربي والإسلامي حرب السبعين عاماً بعد دخول «الربيع العربي» إلى المسار المعاكس لمصالح الشعوب والحكومات العربية والإسلامية جمعاء. والعامل الجامع لكل هذه الحروب والجامح لوقوعه هو حرب الدين بالدين والطائفة بالطائفة والقومية بالدين والعلمانية بالدين، فالدين العنصر المشترك في كل ما وقع، ما أن ترتفع راية إلا وقعت على غيرها. في القرنين الثاني والثالث الهجري وقعت مقتلة الأمويين والعباسيين باسم الدين وحرب الكلام بين أهل الاعتزال وأهل الحديث والفقه، فإذا اعتلت طائفة أروقة الحكم أذاقت الويل للطائفة المنافسة الأخرى، وهكذا دواليك حتى ضاع من بين أيدينا اليقين. هذا استطراد قصير لتوضيح ما نحن بصدد التركيز عليه في حرب السبعين عاماً، إذ لم نحرز نصراً ولا تقدماً مشهوداً ولا مشاركة إنسانية في ركب الحضارة التي نستورد منها الإبرة الدقيقة حتى المقاتلات الحربية المهمة في حربنا ضد بعضنا البعض. صدقاً ما دار ولازال يدور في بحر السبعين عاماً الحاضرة تفاصيلها الدقيقة في أذهاننا فاق الحربين العالميتين خطورة ودماراً وإهداراً لكل مقدرات الأمتين العربية والإسلامية في أعز ثرواتها البشرية والعقلية والمادية. سبعون عاماً من الانحدار المعاصر والاستنزاف حبله على الجرار، رغم شعار الاستقلال الوطني من نير الاستعمار السابق، وكان شعاراً ذا صدى إلا أنه اليوم يعاني من الصدأ السياسي والاجتماعي والفكري.. إلخ. ذهب الاستعمار بصورته المباشرة وبقيت مصالحه المتداخلة في ثنايا السياسات العالمية التي تطوق مصالحها أعناق الدول المتحاربة بيننا. في حرب 1948 كان المطلب الفلسطيني آنذاك فلسطين من النهر إلى البحر، وقد نصح بعض العقلاء بقبول نسبة 50% كعربون أولي لدولة فلسطينية متكاملة غير مقطعة الأوصال كدولة السلطة الفلسطينية الآن، ومن ثم المطالبة بالبقية الأخرى، إلا أن العناد السياسي لم يأخذ من فلسطين إلا قدر أنملة، وصلت إلى قرابة 11% والخلاف حتى الآن على نسبة الواحد بالمائة التي ستفصل الحدود الإسرائيلية الفلسطينية الملتوية، وقبل حلول الموعد السامي وقعت حروب وانتفاضات وغزوات كلفت الجميع خسائر غير محتملة للبدء في وضع أي بنيان على الأرض سواء باسم السلام أو الهدنة المؤقتة لأخذ أنفاس الراحة لمواصلة الصراع المنهك. ولم يخرج العرب من ذلك الحال بسلام دائم مع رفع عرفات لغصن الزيتون ورمي السلاح، حتى وقعت كارثة «أيلول الأسود» الآخر في لبنان الذي كان يعاني بالأساس من ويلات حرب طائفية دينية شيعية سُنية مارونية بمعنى الكلمة، أخذت من زهرة عمره قرابة العقدين ولم تقف آثارها المدمرة عند نقطة للانطلاق إلى الآن، حتى جاء «حزب الله» ليزيد طين الطائفية بلة وعلة، أدت إلى دخول لبنان على خط الحرب مع إسرائيل في فترة زمنية قصيرة مرتين والثالثة على الأبواب وفق أنظار خبراء الاستراتيجيات والمستقبليات المظلمة في سيناريوهاتها المتوقعة. ومن قبل هذا وذاك حرب أهلية كبرى في السودان طالت الشجر والمدر وأخذت من الشباب أغلى ما يملكون لكي يتحول إلى نيران حامية استمرت قرابة ثلاثة عقود، انتهت بفصل الجنوب عن الشمال ولم تنته المأساة حتى الساعة. وسط هذه الكوارث الحربية المتداخلة، جُرّت منطقة الخليج إلى حرب عراقية إيرانية دامت قرابة عقد أحرقت مياه شط العرب بماس الكهرباء أجساد الجنود التي كانت تتساقط في ضحالته كالفراشات حين تقترب من النيران الموقدة، أبادت من البشر المليون وتركت جرحى بأضعاف ذلك وأهدرت أموالا طائلة لا يقل حسبانها الاقتصادي المادي فقط عن تريليون دولار، كل ذلك ذهب وقوداً لحرق القومية العربية في أتون الطائفية الشيعية. ولم تخفت أوزار تلك الحرائق المشتعلة حتى خرج من تحت الرماد بركان آخر غزى من خلاله صدام الكويت بكل ما يملك من عديد الجيش وعتاد السلاح، فلم يخرجه منها إلا النيران الصديقة والحليفة لدى أميركا وأخواتها بعد أن كادت تذهب الكويت قرباناً لطموحات صدام القومية الخاسرة في العراق وبقية الدول العربية التي سكتت بعد ذلك عن التباهي بها أمام نفسها والمجتمعات الأخرى ورجعت إلى التمسك بدولتها الوطنية التي كادت تستباح في حربها ضد إرهاب «القاعدة» و«داعش» وكل الحركات الإرهابية التي تتخذ من الدين وقوداً لاستباحة دماء وأعراض وأموال الآخرين ممن لا يؤمنون بطريقتهم غير المثلى. وجاء أخيراً حريق «الربيع العربي» لكي يوسع الخرق على الراقع بسنينه الخمس العجاف، بعد أن عاش موقدوه الأماني العريضة في الوصول إلى قمة «الخلافة الراشدة» في عصر يعج بسياسات المصالح المتصارعة والمتبادلة، حيث خانتهم السياسة الشرعية المظنونة التي اتبعوها للوصول إلى مبتغاهم في سرقة الأوطان كما سرقت إسرائيل فلسطين، فاشتعلت حرباً في اليمن لإعطاء درس عملي لهؤلاء الذين دمروا الأوطان باسم الإيمان المزيف. وهكذا دارت في العالم العربي والإسلامي حرب السبعين عاماً.