لم يكن غريباً أن يعلن وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعالون أنه إذا كان عليه الاختيار بين إيران وتنظيم «داعش» في سوريا، فإنه سيختار هذا التنظيم. ولعل هذه هي الصيغة الأكثر وضوحاً حتى الآن في التعبير عن موقف سياسي مختلف عليه في إسرائيل. وقد اختار يعالون إعلان هذا الموقف خلال المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب المنظم مؤخراً تحت عنوان «تغيير قواعد اللعبة». ويعرف متابعو النقاش في الأوساط الاستراتيجية الإسرائيلية أن الموقف تجاه كل من إيران و«داعش» مازال موضع جدل. لكن الاتجاه السائد في الحكومة الحالية ينحاز للموقف الذي عبر عنه يعالون، على أساس أن تهديد «داعش» مؤقت وإلى زوال، بخلاف خطر إيران الذي قال عنه إنه باق ويزداد. لكن المفارقة هي أن إيران نفسها اختارت «داعش»، وفضلته على قوى المعارضة السورية المعتدلة. فقد دعمت نظام بشار الأسد منذ البداية وساعدته في سعيه لإغراق الانتفاضة السلمية في بحر من العنف. وكان دخول «داعش» إلى سوريا أحد أخطر نتائج هذه السياسة التي دعمتها إيران، وربما شاركت في وضع خطتها. وعندما انخرطت إيران أكثر فى الأزمة السورية عبر «حرسها الثوري»، وميليشيات تابعة لها، لم تكن مواجهة «داعش» ضمن أولوياتها. وليس هناك ما يدل على أنه مدرج على جدول أعمالها في سوريا حتى اليوم. وفعلت روسيا مثلها منذ تدخلها العسكري هناك وانتزاعها السيطرة على القرارات الميدانية. لذلك فلو أن لدى طهران وموسكو شيئاً من «شفافية» السياسة الإسرائيلية، لقالتا إنهما اختارتا بالفعل «داعش»، وإنهما تسعيان لإضعاف قوى المعارضة السورية المعتدلة وإخراجها من المشهد لمصلحة هذا التنظيم لأنه يُعد بديلاً مستحيلاً من الناحية العملية مهما تنامت قوته وتوسع نفوذه في مرحلة معينة. وفضلاً عن ذلك، لدى إيران ثلاثة أسباب أخرى تجعلها تفضل «داعش»، بل تراه كنزاً ثميناً يجدر بها المحافظة عليه لأطول وقت ممكن. السبب الأول هو أن حرص «داعش» على إعلان أكثر ممارساته وحشية وفخره بها يجذب أنظار العالم كلها نحوه، الأمر الذي يتيح إخفاء ممارسات لا تقل وحشية تقوم بها ميليشيات تابعة لإيران في العراق في إطار عمليات الانتقام الطائفي والتطهير المذهبي في مناطق عدة. وقد بلغت هذه الممارسات حداً أكثر وحشية في بعض بلدات محافظة ديالي في الأسابيع الأخيرة، فشملت تهجير مئات من أبناء المحافظة السُنة. وأصبح واضحاً في ظل هذا التهجير المتزايد أن عودة السكان السُنة المهجَّرين من مناطق عدة، منذ عملية تفجير مرقد الإمامين في سامراء في فبراير 2006، صارت بعيدة المنال. أما السبب الثاني فهو أن تمدد تنظيم «داعش» في شرق سوريا وشمال غرب العراق كان في مقدمة العوامل التي فتحت طريق إيران إلى الغرب، ودفعت إدارة أوباما إلى إجراء تحول في سياستها من محاصرة طهران ومواجهة أخطار مشروعيها السياسي والنووى إلى الانفتاح عليها والتوصل إلى تسوية معها. وتتيح هذه التسوية لإيران مواصلة مشروعها السياسي، بل تسريع إيقاع حركتها، وإبقاء مشروعها النووي محفوظاً وجاهزاً لاستكمال حلقاته القليلة الباقية في أي وقت بعد انتهاء فترة الاتفاق الذي تم توقيعه في 15 يوليو 2015. ويقود هذا السبب الثاني إلى آخر ثالث، وهو أن تنظيم «داعش»، الذي صار شبحاً يربك الدول الغربية الكبرى، يوفر لإيران فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها في المنطقة دون اعتراض من هذه الدول، بل بمساعدة غير مباشرة من الولايات المتحدة. فمثلاً أسقطت واشنطن منذ أكتوبر الماضي تحفظها على تقديم إسناد جوي للعمليات التي تشارك فيها الميليشيات التابعة لإيران في العراق، بل أرسلت قوات خاصة تساهم ضمنياً في فتح الطريق أمام هذه الميليشيات، وبالتالي أمام إيران، للسيطرة على مناطق إضافية في العراق. وهكذا فإذا كان وجود «داعش» في سوريا مفضلاً لدى إسرائيل حال الاختيار بينه وبين إيران، فهو يبدو الأفضل على الإطلاق بالنسبة لطهران التي تعد المستفيد الأول من وجوده.