مع العولمة يتزايد نفوذ القوة الناعمة. في مقالات سابقة، تحدثت عن انتشار بنوك الفكر، وعن التشكيل الوزاري الأخير في دولة الإمارات بإنشاء وزارة للسعادة وتمكين الشباب.. كمثل على هذه القوة الناعمة، وهنا أتحدث عن مثال آخر من الحالة المصرية. بفارق ساعات فقط، شهد الأسبوع الماضي في القاهرة وفاة اثنين من الأكابر: بطرس غالي ومحمد حسنين هيكل، وقد كان كل منهما في مجاله قوّة ناعمة هائلة لمصر والعرب. كان الخبر متوقعاً، حيث تعدى كل منهما التسعين من عمره وتدهورت صحته على مدى السنوات، خاصة بطرس غالي الذي وصلت به هشاشة العظام درجة كان معها دائم السقوط، وفي آخرها اضطرار للذهاب على عجل إلى باريس لإصلاح ما يمكن إصلاحه. أما هيكل فكان -في الظاهر- مكتمل الصحة حتى أكثر من شهر بقليل قبل وفاته، بل استمر كعادته في الظهور في برنامجه التليفزيوني الدوري: مصر والعرب إلى أين؟ لكن عندما شعر أن النهاية تقترب، اتخذ قرار الحسم الذي يعكس شخصيته: الامتناع عن الأكل وتعاطي الدواء لكي يسرع بالنهاية المحتومة. وعلى قبره كانت الكلمات من اختياره وذات مغزى وعمق: «دار العودة». كان كل من غالي وهيكل تجسيداً للقوّة الناعمة، أي مصدراً للإشعاع والنفوذ السياسي والفكري يفوق بكثير شخصه وبلده مصر ومنطقته العربية. كان غالي الوحيد من المنطقة العربية الذي تقلد منصب السكرتير العام للأمم المتحدة. وبعد رسالته للدكتوراه من باريس في القانون الدولي نهاية الأربعينيات، كتب الكثير في هذا المجال، وكان لكتاباته تأثير فكري عالمي. ولا يزال كتيبه عن «أجندة من أجل السلام»، أثناء عمله سكرتيراً عاماً في بداية التسعينيات، «المرشد» الرئيسي لعمل المنظمة الدولية في مجال حفظ السلام ودور القوات الدولية في هذا الصدد. أما هيكل، الصحفي الأشهر، فهو رسول الإعلام الذي تعدى تأثير كتاباته بلده مصر، وأصبح أحد أبرز كتاب التاريخ المعاصر، وصانعيه أيضاً. فقد ارتبط هيكل بعبد الناصر، وأصبح من أقرب مصادره للمعلومات وللتأثير أيضاً في اتخاذ العديد من القرارات المصيرية. واستمر قرب هيكل من السلطة وتأثيره خلال السنوات الأولى من حكم السادات، والوثائق تُبين أنه كان مصدر التأثير الأول في «ثورة التصحيح» في مايو 1971، حيث أنقذ السادات حكمه بالتخلص من بعض أعوان عبدالناصر المقربين والذين كانوا يعتبرون أنفسهم مركز السلطة الحقيقية بعد وفاة الزعيم. كما أن كتاب هيكل «الطريق إلى رمضان» عن حرب أكتوبر 1973 يحتوي معلومات محددة عن اتخاذ هذا القرار المصيري لم يسبق نشرها أو حتى معرفتها قبل ذلك الكتاب، لذا أصبح المصدر الرئيسي عن هذه الفترة وترجم إلى العديد من اللغات، حتى بعد أن طرده السادات من «الأهرام» سنة 1974، لم يستكن هيكل أو يقبل الإحالة على المعاش، بل وجد في خروجه من «الأهرام» التي كان يعشقها فرصة للترحال ومقابلة زعماء ومفكري العالم، لينشر أكثر من 20 مجلداً ضخماً، تمت ترجمة العديد منها إلى لغات أجنبية، وأصبحت المصدر الأكثر شيوعاً عن «وجهة نظر عربية» في السياسة الإقليمية والدولية. ورغم أنهما التقيا في رحاب «الأهرام»، حيث إن هيكل عيَّن غالي مديراً لتحرير مجلة «السياسة الدولية» منذ نشأتها سنة 1965، فإنهما افترقا في التوجه الفكري والسياسي، فقد كان هيكل شديد الحرص على استقلاليته كصحفي بعيداً عن الوظيفة و«الميري». أما غالي، فكان يعشق أن يستمر في إرث أسرته كوزير وكجزء من التوجه الحكومي الرسمي، كما تدل على ذلك أحاديثه وكتبه حول زيارة السادات لإسرائيل سنة 1977، وكامب ديفيد سنة 1978 ثم المعاهدة المصرية الإسرائيلية سنة 1979. على النقيض تماماً من توجه هيكل «الناصري»، كان غالي مؤمناً بهذه السياسة التي اعتقد أنها التوجه الأفضل لمعالجة الصراع العربي الإسرائيلي وإيجاد حل للقضية الفلسطينية، وكان غالي سكرتير الأمم المتحدة الوحيد الذي لم يتم التجديد له لفترة ثانية، لأنه لم يسمع كلام واشنطن بعدم الإدانة العلنية للهجوم الإسرائيلي على قتل بعض رجال الأمم المتحدة في قانا بلبنان (منتصف التسعينيات). لعلّ قدوة هؤلاء الأكابر في القوّة الناعمة تصبح إلهاماً لجيل جديد يواصل هذه المسيرة، كل في مجاله.