بدون مجاملة سياسية، فإن دول مجلس التعاون باتت في مرمى الخطر، وهي اليوم تواجه مخاطر خارجية وداخلية. ولا مجاملة كذلك عندما نكرر أن نظمنا السياسية هي صمام الأمان للمنطقة، وأن هذه الحقيقة لا يجب أن تأخذ دون مبادرات نهضوية تعالج خلل الداخل لمواجهة خطر الخارج. فمملكة البحرين كانت تبارك أي مبادرة إصلاحية، وقد وقف ملكها موقف الداعم، إلا أن التحولات في صف المعارضة كانت لصالح إيران. جاء الملك ليحول الموقف الرسمي ويتخذ خطوات جريئة ضد من يحاول أن يغير ثوابت تاريخية تعارفت عليها المنطقة تتعلق بطبيعة التعاقد الاجتماعي الذي يمثل صِمَام الأمن لنا جميعاً. أما في السعودية، فعلينا أن نتذكر أن نظام الحكم يعمل بجدية لمعالجة أي ثغرات، ويعي أن بعضا من الموروث تمكن معالجته بعقلانية.. لكن رغم المحاولات الجادة التي تبذلها السعودية نجدها تواجه بهجمة شرسة لإفشال أي نجاحات. وفي الوقت نفسه نشاهد محاولات لتجميل إيران، وإن كانت تحمل نموذجاً دينياً لا يتفق الغرب معه، إلا أن المصالح تظهر بقوة في المشهد الحالي. هناك إذن محاولات للدفع نحو صراع بين النموذج السني الذي تقوده المملكة العربية السعودية والنموذج الشيعي الذي تتولاه إيران. نحن جميعاً ندرك أن صراع نماذج إسلامية يجلب الخسارة لنا جميعاً، فهناك تاريخ عامر يؤكد حجم الخسارة جراء معارك تحت مسميات كهذه. ولا مفر من تحرك العقلاء لدرء الفتنة وتجاوز الاختلافات الفكرية والمذهبية، فالخوض في تفاصيل اختلافات الماضي لن يجلب إلا مزيداً من التهميش والدمار لنا جميعاً. ولو أن كلا منا مارس الاحترام لمعتقد الآخر لتجنبنا الكثير من الأزمات. فكرة المظلومية لا تقع على الشيعي بذاته بقدر ما هي إفراز اجتماعي مس شرائح اجتماعية بمختلف مذاهبها وأفكارها، وهنا تأتي مسؤولية الجميع نحو إحقاق ميزان العدالة الاجتماعية لحماية حقوق المواطنة، والذي أدى غيابه لانشقاقات اجتماعية في عقل الأمة. نحن ندرك أن التشقق الاجتماعي وظف لمزيد من السيطرة والهيمنة، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تعد فاعلة في هذه المرحلة، فالحكم الرشيد عليه أن يصلح أخطاء الماضي ويحرص على تكريس فكرة المواطنة المسؤولة التي تحتم علينا واجبات ومسؤوليات نحو الوطن الذي يجمعنا، أما السير على خطى الماضى فهو تحرك نحو الموت والاندثار. ندرك أن الورقة المذهبية التي تطل علينا بين الحين والآخر، خاسرة كونها تدمر الأمة بأكملها، فالتعايش المشترك ليس بالغريب علينا، فنحن نملك الإمكانات لتجاوز محاولات التخريب التي تتعرض لها أوطاننا. ولا غضاضة في أن نمارس النقد البنّاء. إلا أن من يمارس رغبة التدمير وحرق الأخضر واليابس، يجب وقفه لأنه يشكل الخطر الأكبر الذي يدمر كيان الأمة. ودول مجلس التعاون، كما قلنا مراراً، تختلف في تفاصيل بعض السياسات، لكنها تملك أن تلتقي على الحد الأدنى الذي يوفر لها الاستقرار ومعالجة بعض الاختلالات الداخلية إن وجدت، فالسياسات العامة يمكن نقدها ومراجعتها طالما أن ذلك لا يمس الثوابت المتعارف عليها. دول مجلس التعاون الخليجي عليها أن تعيد بناء سياسات مناسبة لمعالجة الأزمات، فالزمن لم يعد كفيلا بمعالجة بعض المشكلات، وإنما جرأة المبادرة كفيلة بصد الهجمات التي تتعرض لها المنطقة.