صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

«بصمات خالدة».. كتاب جديد لجمال سند السويدي

يقدِّم كتاب «بصمات خالدة.. شخصيات صنعت التاريخ وأخرى غيَّرت مستقبل أوطانها» لمؤلفه سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، قراءة جديدة لاثنتين وعشرين شخصية، إماراتية وعربية وعالمية، لها بصماتها الخالدة على صفحات التاريخ، ليس في بلادها فقط، وإنما في العالم كله أيضاً، في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية والفكر والعلم وغيرها، وتمثل مواقفها وإنجازاتها وإبداعاتها وعبقريتها وقوة إرادتها مصدر إلهام للأجيال بعد الأجيال، كما أن تأثيرها باقٍ، ويتجاوز عصرها إلى العصور اللاحقة، وجيلها إلى الأجيال التالية، فهي دائماً مثل النجوم الساطعة التي تهتدي بنورها البشرية في كل الأزمنة، وتجد في مواقفها وأفكارها ما يساعد على مواجهة المشكلات والتحديات ويعبِّد الطريق نحو المستقبل.

عظماء من كل الحضارات

ويتبنَّى المؤلف منهجاً في الاقتراب من الشخصيات التي يتناولها، يقوم على أسس ومنطلقات عدَّة، أولها أنه يجمع بين شخصيات إماراتية وخليجية وعربية وعالمية، جاءت من أزمنة مختلفة، وعبر فترات متباعدة، وفي ظروف متباينة، كما واجهت تحدِّيات ومشكلات مختلفة، لكنها كلها انتظمت في عنقود العبقرية والعظمة، وتمثل أعمالها الخالدة مداميك أساسية في بنيان الحضارة البشرية؛ وذلك من منطلق الإيمان بأن العظماء من القادة والمفكرين وذوي الهمم العالية يوجدون في كل الحضارات والأمم والمجتمعات، وليسوا مقصورين على مجتمع دون غيره، أو حضارة بنفسها، أو عصر دون سواه من العصور؛ فكل شعوب الأرض شاركت وتشارك في صنع التاريخ وصياغة معالم الحاضر والمستقبل، من خلال رموزها وعظمائها في مجالات السياسة والاقتصاد والفكر والعلم وغيرها من المجالات. ثانيها أن الحكم على هذه الشخصـيات يجب أن يكون بمعايير العصور التي عاشت فيها، والظروف والمعطيات التي اتخذت في ظلها قراراتها أو حققت إنجازاتها، وهذه قاعدة أساسية في أيِّ قراءة علمية موضوعية ومجرَّدة للتاريخ بشكل عام، أو شخصياته البارزة بشكل خاص. ثالثها أن الكتاب لا يتناول الشخصـيات التي أحدثت تحولات سلبية أو كارثية في تاريخ بلادها والعالم، وهي كثيرة، فما أسهل الخراب والدمار، وما أيسـر إشعال الحروب والحرائق التي تدمِّر البشـرية؛ فالأمر لا يحتاج إلا إلى شـرارة يطلقها بعض الحمقى أو المجانين، أما الذين سلكوا طريق البناء والتنمية، وزرعوا بذور المحبَّة والسلام بين الشعوب، وأضاؤوا طريق الخير والتقدُّم أمامهم، وقدموا اختراعات عظيمة غيَّرت حياة الناس إلى الأفضل؛ فقد اختاروا الطريق الصعب، طريق العمل والحكمة والإرادة الصلبة، وهؤلاء هم الذين يستحقون الكتابة عنهم، وتخليد ذكراهم، وتسليط الضوء على جوانب مشـرقة من تاريخ حياتهم.

رابعها الابتعاد عن الشخصـيات الدينية، وهذا ليس لأنهم لم يحدثوا تحولات كبرى في التاريخ، فكثير من هذه الشخصـيات وقف وراء تحولات مهمَّة وإيجابية لمصلحة الوسطية والاعتدال والتقدُّم والسلام والاستقرار في العالم كلِّه، ولكنْ تفادياً للوقوع في التحيُّز من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ فإن إدراج شخصـيات دينية في هذا الكتاب يتعارض مع الهدف منه، وهو البحث في المواقف والتجارب والأفكار الإيجابية التي لا تختلف شعوب الأرض فيها، بينما الأفكار الدينية هي محل اختلاف وخلاف بين البشـر الذين تختلف دياناتهم ومعتقداتهم، بل إنه داخل الدين الواحد تختلف تفسـيرات أتباعه وتأويلاتهم لنصوصه وشـرائعه.

خامسها الاقتراب من الشخصـيات التي يتناولها الكتاب، ليس بمنطق المؤرخ الذي يسجِّل الوقائع والحوادث والسـير الذاتية، وإنما بمنهج مختلف يقوم على بيان نقاط الضوء في تاريخنا وحاضـرنا، التي يمكنها أن تربط الماضـي بالحاضـر، وتسهم في تعريف الأجيال الجديدة في العالم بما قدَّمه هؤلاء العظماء، ليس من أجل نهضة أوطانهم فقط، وإنما لتحقيق السلام والتنمية والرفاهية في أرجاء العالم كلِّه أيضاً.

سادسها أن الكتاب لا يتناول شخصـيات رحلت عن عالمنا فقط، كما يحدث في الكثير من الكتابات من هذا النوع، وإنما شخصـيات لا يزال عطاؤها متدفِّقاً أيضاً، ولا تزال رؤاها وأفكارها تصنع التفرُّد لدولها ومجتمعاتها، وتمثل مدارس متكاملة ستظل قادرة على إبهار العالم وإلهامه لأجيال عديدة قادمة. سابعها تجاهل الجدل التاريخي الذي تثيره بعض الشخصـيات، ما بين معارضـين ومؤيدين لها؛ لأنه ليس مجال هذا الكتاب، الذي يركز بشكل خاص على جوانب التحول الإيجابي الذي أحدثته كل شخصـية من هذه الشخصـيات، وأصبح طابعاً مميِّزاً لها وطاغياً على كل ما عداه من جوانب وتفاصـيل أخرى قد تثير الخلاف والجدل في سـيرتها الشخصـية أو العملية.

سمات مشتركة

ويؤكد الكتاب أن هناك العديد من السمـات المشتركة لهذه الشخصـيات التي لا تقترن إلا بالعظماء وصناع التاريخ، السمة الأولى هي قوة الإرادة وعدم الاعتراف بالمستحيل أو الاستسلام أمام التحدِّيات والمشكلات مهما كانت شدَّتها. السمة الثانية لهؤلاء العظماء هي أنهم يجمعون بين السـمات الشخصـية المتفرِّدة من ناحية، وحبِّ الجماهير أو الشعوب والتفافها حولهم من ناحية أخرى؛ وهذا لا يأتي من فراغ، وإنما من إيمان الشعوب بإخلاص هذه الشخصـيات وامتلاكها قدرات التغيير الإيجابي وإرادة الفعل وشجاعة اتخاذ القرار. السمة الثالثة هي القدرة على تعبئة القدرات وحشدها لتحقيق التطور والتقدُّم، وتعزيز روح التحدِّي والثقة بالنفس لدى الشعوب، وبث روح الأمل في المستقبل. السمة الرابعة هي العمل من أجل الأهداف العظيمة، والتحولات الكبرى، والطموح الذي لا تحدُّه حدود، وعدم الاكتفاء بما تحقق مهما كان كبيراً ومعجزاً؛ لأن هؤلاء العظماء يؤمنون بأن التقدُّم عملية مستمرة لا تتوقف ولا تعرف الثبات أو الجمود، وأن الأمم والمجتمعات التي لا تتحرك إلى الأمام تحكم على نفسها بالرجوع إلى الوراء. السمة الخامسة هي أن هذه الشخصـيات لم تحدث تحولات إيجابية في مجتمعاتها أو أوطانها فحسب، وإنما امتدَّ تأثيرها إلى العالم كله، وتركت مواقف وقيماً وإنجازات وابتكارات تمثّل مصدراً للإلهام وإثراء الفكر والعمل وشحذ الهمم عبر الأجيال. السمة السادسة هي أن هذه الشخصـيات العظيمة أدركت وتدرك بحقٍّ معنى القيادة وأهميتها، وأنها -أي القيادة- مسؤولية كبرى تتوقف عليها مصائر الأمم والمجتمعات في حاضـرها ومستقبلها، وهذا كان الإطار الحاكم لمواقفها وقراراتها. السمة السابعة والأخيرة هي أن حياة هذه الشخصـيات لم تكن سهلة ميسَّرة، وإنما كانت مملوءة بالتحدِّيات والمصاعب، وكثير منها جاؤوا في فترات تأزُّم وحروب، ولكن هذا لم يفتَّ في عضدهم، وإنما زادهم قوة وصلابة، وظهرت معادنهم الأصـيلة والنقية في أوقات الأزمات ليقودوا شعوبهم نحو الطريق الصحيح عن طريق قرار سـياسـي، أو موقف حكيم، أو فكرة مبدعة، أو رؤية جديدة، وفوق ذلك كلِّه إرادة صلبة تفجِّر طاقات الناس وتجمعهم حول هدف واحد، وحب جارف للأوطان يحوِّل أي عمل إلى رسالة وعقيدة.

عبقرية زايد

وتحت عنوان «صانع التاريخ» يؤكد الكتاب أن المغفور له -بإذن الله تعالى- الشـيخ زايد بن سلطان آل نهيان –طيَّب الله ثراه- كان شخصـية غير عادية، لا تمكن الإحاطة بكل مواطن التميز فيها، أو حصـر إنجازاتها وأعمالها التي يخلِّدها التاريخُ، سواء تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة أو المنطقة والعالم. ويشير إلى أن عبقرية القيادة لدى الشيخ زايد -رحمه الله- هي التي حكمت كل مواقفه وقراراته، ووجَّهتها، وكانت العامل الحاسـم في إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، وجعلها التجربة الوحدويــة العربيــة الوحيدة الناجحة، بينما انهارت التجارب الأخرى أو تعثرت، فضلاً عن أنها مفتاح فهم شخصـيته وفلسفته في السـياسة والحكم والإدارة.

وتتجسَّد هذه العبقرية، وفق الكتاب، في عدم الاعتراف بالمستحيل، ورفض الاستسلام أمام المشكلات مهما كانت شدتها أو قسوتها، والإرادة الصلبة التي لا تنكسـر، والثقة بالنفس، والقدرة على تحقيق الأهداف، والبراعة في حشد القدرات الوطنية وحل المشكلات وإيجاد هدف واحد يلتف حوله الجميع، والكاريزما (الشخصـية القيادية) التي تعقد لصاحبها الزعامة والقيادة من دون منازع، وتمنحه المصداقية في الداخل والخارج، وتدفع الجميع إلى الالتفاف حوله والثقة بقراراته وتوجُّهاته؛ بفضل قوة منطقه وقدرته الفائقة على الإقناع.

ويؤكد الكتاب أن الشـيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمه الله- نجح في بناء تجربة وحدوية على أركان ثابتة وأسس راسخة، بعيداً عن الأيديولوجيات والشعارات البراقة؛ لأنه كان مخلصاً وصادقاً في العمل من أجل الوحدة؛ ليس لمجد شخصـي أو أهداف خاصة، وإنما لمصلحة شعبه وأمته، وأنه -طيَّب الله ثراه- مدرسة متكاملة في الحكم والسـياسة والعلاقات الدولية، لا يزال نبعها فياضاً، وإلهامها متوهِّجاً، وهو ليس شخصـية إماراتية عظيمة فحسب، وإنما هو رمز خليجي وعربي وإسلامي، بل عالمي، وقف إلى جانب القضايا العربية والإسلامية والدولية العادلة، وترك بصـمـات ثريَّة على صفحة تاريخ البشـرية جمعاء، ولا يمكن أن تُذكَر صفات المروءة والحكمة والشجاعة والكرم والعدل إلا ذُكر اسـمه مقترناً بها.

خليفة بن زايد.. صانع السعادة

وتحت عنوان «قائد مرحلة التمكين» يشير الكتاب إلى أن صاحب السـمو الشـيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله- يمثل نموذجاً فريداً للقيادة الحكيمة التي تعمل بدأب وتفانٍ وإخلاص لخدمة وطنها ورفعة شأنه بين الأمم، وتلبية احتياجات المواطنين، وتحقيق رفاهيتهم وسعادتهم. ويذهب إلى أن صاحب السـمو الشـيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله- يستحق بامتياز لقب «صانع السعادة»؛ فما حققه لشعب دولة الإمارات العربية المتحدة من إنجازات وتقدم ورفاهية، وما قدمه ويقدمه من مبادرات متتالية لا تتوقف لتحسـين نوعية حياة المواطنين في المجالات كافة، ورفع مستوى المعيشة لأبناء الدولة في كل إماراتها من دون استثناء، جعلت الشعب الإماراتي من أسعد شعوب الأرض وأكثرها ثقةً وتفاؤلاً بالمستقبل، وفق تقارير المنظمات الدولية المعنية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة.

ويؤكد الكتاب أن صاحب السـمو الشـيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله- قاد سفينة الوطن باقتدار بعد رحيل القائد المؤسس المغفور له -بإذن الله تعالى- الشـيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيَّب الله ثراه- ووصل بها إلى أعلى مراتب التنمية والتقدم والرخاء؛ ليؤكد للخارج قبل الداخل أنه «خير خَلَف لخير سَلَف».

محمد بن راشد.. قاهر المستحيل

وتحت عنوان «قائد لا يعرف المستحيل» يشير الكتاب إلى أن قهر المستحيل هو العنوان الأهم لسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي -رعاه الله- فالمستحيل من وجهة نظر سـموه، كما جاء في كتابه الرائع «ومضات من فكر»، «هو أكبر سجن صنعه الإنسان لنفسه، وكلمة اخترعها من لا يريدون العمل، أو كلمة اخترعها لنا من لا يريدوننا أن نعمل، وهو كلمة يستخدمها بعض الناس لوضع حدٍّ لطموحاتهم وأحلامهم وتطلعاتهم». ويؤكد الكتاب أن هذه العبارة هي مفتاح السـر في فهم شخصـية سـموه الثرية، والتعرُّف إلى فلسفته الناجحة في القيادة والإدارة، هذه الفلسفة التي تتحدى المستحيل، وتسعى إلى التفوق وتكريسه قيمةً وثقافةً مجتمعيةً مستقرةً لدى كل مسؤول ومواطن في موقعه ضـمن منظومة العمل الحكومي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتؤمن بأن التقدُّم ليس حكراً على أمة دون غيرها، وإنما لمن ملَك أسبابه ومقوماته، ولمن سعى إليه بجد وعمل من أجل الوصول إليه بهمة وثقة بالنفس وإرادة قوية.

ويشير الكتاب إلى أن صاحب السـمو الشـيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي –رعاه الله- يمثل مدرسة متجدِّدة في الإبداع والابتكار تعبِّر عن نفسها في رؤاه الثرية، في الفكر والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسـياسة، ومبادراته الخلاقة التي استطاعت أن تحدِث طفرة نوعية في مناحي الحياة المختلفة، وأن ترسِّخ قوة النموذج الإماراتي في التنمية والإدارة والحكم، وأن صاحب السـمو الشـيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بما يملكه من سـمات قيادية فريدة، يؤكد أن دولة الإمارات العربية المتحدة قادرة على إثراء الفكر الإنساني، والإسهام في حركة التنمية والتطور والسلم في المنطقة والعالم.

محمد بن زايد.. فخر الإمارات

ويصف الكتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة -حفظه الله- بأنه «فخر الإمارات»، ونموذج للقائد الذي يجمع بين السمات القيادية والإنسانية العميقة والتواضع والهيبة والحب الشعبي الجارف، وتجسيد حي لمقولة العرب «الرجال مواقف»، حيث تؤكد أفعاله ومواقفه أنه عنوان للقيادة المبدعة في المجالات كافة؛ فهو سياسي حكيم، وعسكري محنَّك، ورياضي يملك أخلاق الفرسان وسلوكياتهم، وقائد تتجمع حوله القلوب والعقول، وصاحب رؤية واضحة للحاضر والمستقبل وفهم عميق للعالم من حولنا. وفوق هذا وذاك؛ فإن سـموه لديه ثقة مطلقة بقدرة أبناء دولـة الإمارات العربيـة المتحـدة على صنع المعجزات، وإيمـان تام بأن التقدُّم ليس حكراً على أحد، وإنما هو لمن يملك أسبابه ويعمل بجدٍّ من أجل الوصول إليه.

وتتمحور الرؤية التنموية لصاحب السـمو الشـيخ محمد بن زايد آل نهيان، كما يؤكد الكتاب، حول المواطن، حيث يؤمن بأن المواطن الإماراتي هو أساس أي تخطيط للحاضـر أو المستقبل، وأن «أبناء الإمارات هم أساس الوطن وعماده، وليس النفط»؛ وانطلاقاً من هذه الرؤية، يضع سـموه المواطن على قمَّة أولوياته، ويرى أن التعليم هو حجر الأساس القوي لتنمية الثروة البشـرية الوطنية، ولجميع الخطط التنموية والاستراتيجية، وشـريان التنمية المستدامة، والطريق الأمثل نحو رقي الشعوب ورفعتها، ويشدِّد دائماً على أن دولة الإمارات العربية المتحدة تضع آمالها وتطلُّعاتها في الأجيال المتسلحة بالمعرفة والعلوم الحديثة.

وينطلق المؤلف من ذلك إلى القول إن صاحب السـمو الشـيخ محمد بن زايد آل نهيان هو رائد النهضة التعليمية والحضارية، التي تشهدها ربوع البلاد بشكل عام، وإمارة أبوظبي بشكل خاص، سواء من خلال توفير مقوِّمات التعليم العصـري داخل الوطن، أو فتح المجال أمام الشباب الإماراتي المتميز لتلقِّي العلم في أرقى الجامعات العالمية؛ ولعل «منحة الشـيخ محمد بن زايد للتعليم العالي»، التي بدأت عام 2011، هي مثال بارز في هذا الشأن.

ويشير الكتاب إلى أن صاحب السـمو الشـيخ محمد بن زايد آل نهيان لا يتردَّد في اتخاذ القرار الحازم والحاسـم؛ حينما يتعلق الأمر بالأمن الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، أو مصلحتها العليا، وصون مكتسبات شعبها في التنمية والانفتاح والوسطية. وقد أثبت سـموه، خلال الأحداث التي مرت بها منطقتنا خلال السنوات الأخيرة، مقدرة بارعة على التخطيط والتنفيذ وإدارة الأزمات وإيجاد البدائل والحلول الاستراتيجية؛ للتعامل معها ضـمن منظومة دقيقة لإدارة المخاطر؛ ما جنَّب دولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها، وشعوب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى، خطر التمزق والصـراع والفتن الطائفية التي تشعلها تنظيمات التطرف والإرهاب في مناطق جغرافية شتَّى من حولنا.

الرمز المضـيء لكل امرأة

ويرى الكتاب أن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، ليست أم الإمارات أو العرب فقط، وإنما هي أم الإنسانية جمعاء بعطائها الإنساني الذي يتجاوز حدود دولة الإمارات العربية المتحدة إلى العالم كله، وهي الرمز المضـيء لكل امرأة في العالمَين العربي والإسلامي، وهي التي أعادت الاعتبار إلى صورة المرأة العربية والمسلمة في العالم، بعد أن شوَّهتها قوى الظلام والتطرُّف، وأساءت من خلالها إلى ديننا وحضارتنا وثقافتنا، وهي، قبل هذا وذاك، رائدة العمل النسائي الإماراتي، التي تقف وراء كل ما حققته المرأة الإماراتية من إنجازات ونجاحات على طريق التمكين. ويؤكد الكتاب أن ما يميز تجربة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك الفريدة في مجال العمل النسائي، التي أصبحت إحدى أبرز التجارب العالمية، هو حرصها على المحافظة على أصالة المجتمع الإماراتي وقيمه الدينية والثقافية أولاً، والانفتاح على معطيات العصـر وأدواته ثانياً؛ وذلك ضـمـن رؤية استـراتيجيـة متـوازنـة تراعـي خصوصـيات الماضـي التليد، وتلبِّي طموحات المستقبل الواعـد.

«أصحاب رسالة»

وفي تناوله سيرة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، يشير الكتاب إلى أنه أسس المملكة العربية السعودية، وحافظ عليها في ظل ظروف صعبة، وكانت الوحدة هي محور تفكيره وحركته على مدى المراحل المختلفة من حياته، حيث آمن بالتعايش بين المذاهب والطوائف، وعمل على ترسيخ هذا المبدأ بشكل عملي، ونجح في إقامة دولة قوية بعد أن لَمْلَم شتات قبائلها ومناطقها وطوائفها تحت راية واحدة، كما كان يؤمن بأنه صاحب رسالة تقوم على بسط الأمن والاستقرار والسلام في شبه الجزيرة العربية، ويُنقل عنه في هذا الشأن قوله: «إننا آلَ سعود لسنا ملوكاً، ولكنَّنا أصحاب رسالة».

وإذا كان الملك عبدالعزيز آل سعود قد اتسـم بالفهم العميق للتوازنات في المنطقة والعالم، والبراعة في التعامل مع القوى الكبرى؛ فإن هذا لم يمنعه من الحسـم واتخاذ المواقف القاطعة من دون النظر إلى نتائجها وعواقبها، حينما كان الأمر يتعلق بالقضايا القومية الأساسـية، وفي مقدمتها قضـية فلسطين.

إدراك مبكر لخطر التطرف

وتحت عنوان «زعيم قومي أدرك خطر التطرف باكراً»، يفرد الكتاب جزءاً للحديث عن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، مشيراً إلى أن عبدالناصر، إضافةً إلى أنه كان زعيماً قومياً آمن بوحدة العرب ومصيرهم المشترك، فقد أدرك خطر التطرف الديني باكراً، وتصدى له ممثلاً في جماعة «الإخوان المسلمين» الإرهابية، وارتبط اسـمه بمحطات تاريخية مهمة في مصـر والعالم العربي، من بينها دوره في إنهاء الاحتلال البريطاني لبلاده، وقراره التاريخي تأميم قناة السويس، وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وبناء السد العالي، وإطلاق المشـروعات التنموية الكبرى في المجالات الصناعية والزراعية المختلفة.

ويؤكد الكتاب أن جمال عبدالناصر لم يكن زعيماً مصـرياً فقط، بل كان زعيماً عربياً، وأن التحديات التي يشهدها العالم العربي اليوم، وما يحاك له من خطط للتقسـيم ونشـر الفوضـى والصـراعات الأهلية، تحت دعاوى الجهاد والطائفية، تعيد الروح من جديد إلى أفكار ورؤىً طرحها قبل عقود هذا الزعيم التاريخي، ولاسـيَّما ما تتعلَّق بتعزيز أواصـر العروبة والوحدة بين الشعوب والدول العربية لمجابهة التحديات والأخطار المشتركة التي تواجهها، وفي مقدِّمتها الخطر الذي تمثله تنظيمات الإرهاب والجماعات الدينية السـياسـية.

ويشترك الرئيس المصري الحالي، عبدالفتاح السيسي، مع جمال عبدالناصر في إدراك خطر التطرف الديني والتصدِّي القوي له؛ ولذلك يؤكد الكتاب أن السيسي هو «رجل المرحلة» الذي استعاد جمهورية مصر العربية من أيدي جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، ومن ثم أنقذ بلاده والمنطقة العربية كلها من براثن التنظيمات المتطرفة والإرهابية، وحرَّر «أم الدنيا» من أيدي جماعة متطرِّفة حاولت اختطافها وحكمها بالقوة والقهر، أو تفجيرها، وأعاد مصـر إلى وطنها العربي الكبير قوَّةَ توازن واستقرار ووسطيَّة وإشعاع ثقافي، ووجَّه ضـربة قوية إلى المشـروعات المشبوهة لقوى الإسلام السـياسـي المعادية للأوطان، الباحثة عن وَهْم اسـمه «الخلافة»، وأخيراً فقد نبَّه الرئيس عبدالفتاح السـيسي العالم كله إلى أن في العالم العربي قادة وطنيِّين قادرين على اتخاذ القرارات المصـيريَّة لحماية أوطانهم في الأوقات الصعبة.

حِنكة الحسن الثاني

أما العاهل المغربي الراحل، الملك الحسن الثاني، فإن الكتاب يصفه بـ«ملك الحكمة والتوازن» مشيراً إلى أنه حاز إعجاب العالم؛ بحكمته وحنكته السياسية الكبيرة وثقافته الواسعة، وأنه علامة بارزة في تاريخ المملكة المغربية والعالم العربي، بل العالم أجمع؛ فهو باني المملكة المغربية الحديثة، وراسـم الخطوط العريضة لسـياستها، الداخلية والخارجية، القائمة على العقلانية والاختيارات التنموية المنسجمة وحسن تدبير الشأن العام.

رجل دولة من طراز فريد

ولم يكن الحسن الثاني، وفق الكتاب، ملكاً عبقرياً ورجل دولة من طراز فريد، شهد له أعداؤه قبل أصدقائه بالتفرُّد والحنكة فحسب، وإنما تميَّز –رحمه الله– بالثقافة الغزيرة والذوق العالي الرفيع والحس الجمالي وبلاغة الخطابة. كما لم يرَ الحسن الثاني أن ثمَّة معركة بين الحداثة والأصالة، بل يمكن التوفيق بينهما؛ ولذلك فقد مكَّن للحداثة من دون بتر الصلة مع الأصالة.

ويصف الكتاب محمد علي باشا، والي مصـر وحاكمها بين عامي 1805 و1848، بأنه «مؤسِّس مصـر الحديثة»، وواضعُ قواعد نهضتها، مشيراً إلى أن الأسـئلة الاستراتيجية الكبرى التي فرضت نفسها على محمد علي باشا لا تزال تطرح نفسها علينا حتى وقتنا الحالي، من العلاقة الإشكالية بالمُنجَز الغربي في بناء الدولة وتنظيمها، وحدود الدور الذي يمكن القيام به في ظل صـراع القوى الكبرى، التي تتدخل في لحظة فاصلة لحسـم الصـراعات، ووضع الحدود السـياسـية، ورسـم الخرائط على النحو الذي يضـمن مصالح الدول المهيمِنة ورؤاها، بغضِّ النظر عن مصالح شعوب المنطقة وطموحاتها.

ويؤكد الكتاب أن إنجاز محمد علي باشا كان عظيماً، وربما يكمن خطؤه الاستراتيجي الكبير في أنه لم يعرف بالضبط أين يتوقف. وهو الدرس الذي يجب أن يتعلَّمه السـياسـيون جيداً: أين يجب أن تتوقف؟ ومتى؟ فالتوقف في لحظة ملائمة يحتاج من الشجاعـة إلى القـدر نفســه الذي يحتـاج إليه المضـيُّ إلى الأمام.

«رجل بحجم أمة»،

ويرى الكتاب أن عمر المختار، قائد المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي، «رجل بحجم أمة»، مشيراً إلى أن قيم المختار ومبادئه لا تتوقف عند الدفاع عن الوطن، وبذل الغالي والنفيس في سبيل حريته ورفعته، وإنما يقدِّم قيماً أخرى ليس آخرها النبل والشهامة، لا في الحياة العادية فقط، وإنما حتى في أثناء مواجهة المحتل الغاصب للأرض. ويتساءل المؤلف في هذا الصدد: ألم يقرأ هؤلاء الذين يرفعون راية الإسلام، ويدَّعون زوراً أنهم يدافعون عن استقلال الأوطان ضد التدخلات الخارجية، بينما يحرقون الناس، ويهدمون بيوتهم، ويضطهدون النساء، ويحولونهن إلى سلعة للبيع والشـراء، سـيرة عمر المختار الذي واجه الاحتلال بشـرف، وأجبر أعداءہ على احترامه واحترام الدين الذي يدين به والقيم الثقافية التي يمثلها؟

فلسفة غاندي

وتحت عنوان «أبو الأمة الهندية» يقول المؤلف إن العالم كله اليوم، بمفكِّريه وصنَّاع القرار فيه وجميع المهتمِّين بتعزيز السلام ومقاومة نوازع الشـر والتطرف، مدعوٌّ إلى إعادة قراءة التراث الفكري للزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي، واستلهام فلسفته الراقية التي ترى أن «النصـر الناتج عن العنف مساوٍ للهزيمة»، والفوز في المعارك لا يكون «بعدد الذين نقتلهم من خصومنا، ولكن بمقدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل».

ويؤكد الكتاب أن تجربة السنوات والعقود السابقة أثبتت صحَّة أفكار غاندي، فلم تقدِّم الصـراعات والحروب حلاً جذرياً لأي مشكلة، سواء كانت داخلية أو خارجية، ولم تنجح أي طائفة، في أي مكان بالعالم، في إفناء طائفة أخرى، أو إلغائها، بالحديد والنار، ولم يجلب القتل إلا مزيداً من القتل، ولم يؤدِّ العنف إلا إلى مزيد من العنف، وأنتج كل تطرُّف تطرفاً مقابلاً، أو ربما أشد قوة وقسوة.

ويؤكد الكتاب أن ماوتسي تونغ هو مؤسس الصين الحديثة؛ فقد كان مؤمناً بقدرة الصـين على أن تكون قوة كبرى في العالم، وأنها تملك إمكانات مادية وبشـرية تؤهِّلها لذلك؛ على الرغم من الانتكاسات التي تعرَّضت لها، والتدخلات الخارجية في شؤونها، ومحاولات الغرب السـيطرة عليها واستغلال ثرواتها في فترات مختلفة من تاريخها؛ وهذه إحدى أهم سـمات القادة العظماء في تاريخ الأمم والمجتمعـات، حيـث يكون اقتناع القائد بقدرة شعبه على التفوُّق والنهوض، مهما كانت التحديات والعقبات، هو الأساس الذي ينطلق منه لتحقيق أهدافه، وتنفيذ أفكاره، ووضع وطنه على الطريق الذي يريده له.

وأياً ما كانت روايات التاريخ واختلاف أحكام المؤرخين؛ فإن المؤلف يرى أن الشعب هو أعظم وأصدق حَكَم على أيِّ زعيم سـياسـي، والزعيم الصـيني ماوتسـي تونغ هو أسطورة القرن العشـرين في الصـين، وينظر الشعب الصـيني إليه بتقدير واحترام كبيرَين؛ على الرغم من مضـيِّ عقود على وفاته، ويرى أنه بفضل تعاليمه غدت الصـين صاحبة ثاني أكبر الاقتصادات في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية.

أما جورج واشنطن، مؤسس الولايات المتحدة الأميركية، فإن الكتاب يرى أن أهم ما يرتبط باسـمه، ويضعه في سجلِّ العظماء في التاريخَين الأميركي والعالمي، إضافة إلى قيادته حرب الاستقلال عن بريطانيا، هو التقاليد السـياسـية التي وضعها، والنظرة إلى منصب الرئيس التي رسَّخها، ورؤيته للولايات المتحدة الأميركية ودورها في الساحة العالمية؛ فبعد انتهاء حرب الاستقلال، التي قادها، بتحقيقها أهدافها، لجأ واشنطن إلى التقاعد والابتعاد عن المشهد، برغم أن إنجازاته العسكرية الكبيرة كانت توفِّر له مبرراً للمطالبة بدور أو منصب سـياسـي بعد الاستقلال. ويقول المؤرخون: إن واشنطن، بهذه الخطوة، وضع اللبِنة الأولى للحكم الديمقراطي في بلاده.

مانديلا.. أيقونة النضال

ويصف الكتاب الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا بأنه أيقونة النضال للتحرُّر الوطني، مشيراً إلى أنه نموذج للقائد الفذِّ في أفريقيا والعالم بأسـره؛ ففي الوقت الذي يرتبط فيه اسـمه بمسـيرة كفاح طويلة وحافلة ومملوءة بالتضحيات المؤلمة من أجل تحرير بلاده من نظام الفصل العنصـري البغيض؛ فقد لعب دوراً تاريخياً في تأسـيس نظام ديمقراطي تعدُّدي في جنوب أفريقيا؛ من خلال نهجه في التسامح والمصالحة والترفع عن نوازع الانتقام، على الرغم من الظلم والمعاناة اللذين تعرَّض لهما من الأقلية البيضاء التي كانت تحكم أغلبية البلاد من السود عقوداً طويلة.

إن تجربة الكفاح الوطني الحافلة لنيلسون مانديلا جعلت منه نموذجاً متفرِّداً للانتقال السلمي إلى الديمقراطية، وهو نموذج ملهِم بلا شكٍّ للدول التي لا تزال كثير منها ترزح تحت نير الصـراعات الأهلية، والعرقية، والدينية، والطائفية، ومنها بعض دولنا العربية.

إنجاز «لي كوان يو»

والإنجاز الحقيقي للأب الروحي لسنغافورة، لي كوان يو، كما يرى الكتاب، أنه استطاع أن يعيد بناء الأمة على بُعدين متكاملين هما: أولاً، البنى التحتية من طرق ومطارات ومصانع ومؤسسات وغيرها. وثانياً، بناء الانتماء إلى سنغافورة، برغم التنوُّع العرقي والإثني في البلاد، حيث ينتمي ثلاثة أرباع السنغافوريين إلى الإثنية الصـينية، وهناك هنود، ومواطنون من جنوب شـرق آسـيا، وغيرهم. وكانت رؤيته أنه لا يمكن التغلُّب على التحديات القائمة إلا في إطار استيعاب ذلك التنوع ضـمن وحدة سـياسـية متكاملة.

وحين استقلَّت سنغافورة عن ماليزيا سنة 1965 لجأ؛ من أجل مواجهة الفقر وقلة الموارد وضعف البنى التحتية والمؤسسات، إلى وضع مجموعة من الأسس والمبادئ لبناء الأمة، تتمثل في التشديد على الحداثة والتقدُّم على أساس التعددية العرقية، واختيار الكفاءات والنخب المتعلمة والمناسبة لمواقعها، ضـمن مظلة وطنية تشـمل الجميع لخدمة سنغافورة.

ويرى الكتاب أن الأهمية الكبرى للملكة إليزابيث الثانية هي أنها رمز الوحدة الوطنية للمملكة المتحدة، والرباط الذي يجمع مكوِّناتها المناطقية والعرقية والمذهبية، ومن دونها ربما لم تكن المملكة المتحدة لتتمكَّن من البقاء موحَّدة؛ فهي فوق الأحزاب وصـراعاتها وخلافاتها، ويعزِّز حرصها على عدم التدخل في السلطة التنفيذية موقعها المتسامي الذي يعبِّر عن الوطن وشخصـيته وقيمه على نحو خالٍ من أي نوع من المصلحة إلا مصلحة البلاد وأهلها. إن حكمة الملكة إليزابيث الثانية، يقول الكتاب، فضلاً عن عمقها الإنساني، ورجاحة عقلها، وانفتاحها على الآخر، جعلتها تدرك مدى أهمية التعامل مع أبناء الأديان كافة بالاحترام الذي هم أهل له، سواء أكانوا في بريطانيا أم خارجها. ومع أنها، بحكم منصبها، تُعَدُّ «حامية المذهب المسـيحي-الإنغليكاني»؛ إذ إنها رئيسة لكنيسته الرسـمية؛ فإنها حرصت دائماً على الاهتمام بالإسلام والمسلمين والمسـيحيين من مذاهب أخرى، وغيرهم.

وعن صانع الحلم الأميركي، مارتن لوثر كينج، يقول الكتاب إنه كان يؤمن إيماناً جازماً بأن الرفض والسعي بطريق سلمية إلى التغيير هما أقصـر الطرق لنَيل الحرية، وكان يرفض تماماً طريق العنف، فبالنسبة إليه «الظلام لا يُطرَد بالظلام»، ودروب الحرية الفسـيحة لا يمكن العبور إليها عبر أنفاق الكراهية وسـراديب العنف والدماء «فالحب وحده يطرد الكراهيـة، ولا يمكـن أبداً طرد الكراهية عبر كراهية مضــادة». وهذه الفلسفة هي التي رسمت ملامح مرحلة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية، متصالحة مع ذاتها، وعادلة بين مواطنيها، لا تنظر إلى ألوانهم أو أعراقهم بقدر ما تقوِّمهم حسب ولائهم وقدرتهم على العطاء لبلادهم فقط؛ وهي فلسفة أثمرت وأينعت مساواةً وعدلاً، وأنهت معاناة الملايين في تفاصـيل الحياة اليومية، وكانت ذروتها بعد ذلك بعشـرات السنين حينما انتخب الأمريكيون لأول مرة رئيساً من أصول إفريقية هو باراك أوباما عام 2008؛ فأغلب المنصفين يرون في رئاسة أوباما تتويجاً لنضالات مارتن لوثر كينج، وتجسـيداً لحلمه الاستثنائي الذي عبَّر عنه قبل عشـرات السنوات.

«تاتشر» زعيمة استثنائيَّة

ويشير الكتاب إلى أن مارجريت هيلدا تاتشـر (عام 1925–2013)، أو المرأة الحديدية، رئيسة الوزراء البريطانية خلال الفترة من عام 1979 إلى 1990، كانت زعيمة استثنائيَّة، لا في تاريخ بريطانيا فحسب، وإنما في تاريخ العالم كله أيضاً، بما أنجزته من تحولات كبرى داخل بلادها، وما أحدثته من تغيير في مسار السـياسة والاقتصاد بالساحة الدولية، وما تميزت به من كاريزما واضحة وقوة شخصـية وإصـرار على تحقيق ما تريده مهما كانت الصعاب؛ حتى إنها كانت تقول «قد تضطر إلى خوض معركةٍ ما أكثر من مرة لكي تنتصـر»؛ ولذلك فقد لُقِّبت؛ عن حق، بـ«المرأة الحديدية» و«صاحبة المعجزات السـياسـية والأرقام القياسـية»؛ فهي أول امرأة تنتَخَب لقيادة دولة كبرى في الغرب، والمرأة الوحيدة التي شغلت منصب رئيسة الوزراء في تاريخ بريطانيا، وأول رئيسة للوزراء تُنتخَب ثلاث دورات متتالية، ومدة حكمها هي الأطول في بريطانيا في القرن العشـرين، ولذلك يطلَق على فترة الثمانينيات من القرن الماضي في بريطانيا «عقد التاتشـرية». وإضافة إلى ذلك؛ فإن تاتشـر هي أول امرأة تتولى رئاسة حزب المحافظين. وينظَر إليها على أنها أعظم رؤساء الوزراء في بريطانيا في القرن العشـرين بعد ونستون تشـرشل.

أينشتاين المتواضع

وحول رائد العلوم الحديثة، ألبرت أينشتاين (عام 1879–1955) يقول الكتاب إنه أحد أهم هؤلاء العباقرة الذين غيَّروا بأفكارهم غير التقليدية ونظرياتهم المبدعة تاريخ العلم الحديث؛ إلى درجة أن اسـمه أصبح مرادفاً لمعنى كلمة «العبقرية». ولعلَّ أهم ما يميز عبقرية أينشتاين، وفق الكتاب، أنه تمرد على المألوف، ووقف كثيراً يفكر ويتدبر في أمور عدَّها العلماء في وقته مسلَّمات مفروغاً منها، فوضعها تحت المساءلة والتجربة ليخرج باستنتاجات مختلفة حركت التاريخ. والأمر الآخر الذي ميَّز عبقرية أينشتاين هو تواضعه العلمي والإنساني، فبرغم كل الانتصارات والإنجازات العلمية التي حققها، فإنه ظل متواضعاً مدركاً أن ما حققه هو جزء يسـير في مسـيرة لامتناهية من التطور العلمي.

براعة «هيتشكوك»

أما المخرج ومنتج الأفلام الإنجليزي البارع السـير ألفريد جوزيف هيتشكوك (عام 1899–1980)، فيعدُّه الكتاب مخرج القرن العشرين؛ بسبب إسهاماته وإبداعاته المتميزة في مجال الإخراج، حيث ابتدع الكثير من التقنيات الفنية وأساليب التشويق والإثارة، التي جعلت منه أحد أبرز مخرجي عصـره، كما أسهمت إبداعاته في تطوير السـينما العالمية؛ إذ أصبح أحد أعظم مخرجي الأفلام البوليسـية ذات الأجواء النفسـية. وبرغم مرور 35 عاماً على رحيله، والثورة التكنولوجية الهائلة التي حدثت في مجال الإنتاج والإخراج السـينمائي، فقد كانت أعماله المتنوِّعة، ولا تزال، خاصة ما يتعلق منها بالرعب والتشويق، ملهمةً للكثير من الكتَّاب والمخرجين في العالم.

نبوغ «ستيف جوبز»

ويصف الكتاب ستيف جوبز- مؤسس شركة «آبل» بـ«العبقري الذي غيَّر حياة البشرية» مشيراً إلى أن كلمة التحدي هي التي تلخِّص حياته، حيث تحدَّى ظروفه الشخصـية والعملية والصحية، ولم يستسلم لها، وأصـر دائماً على أن يكون في المقدِّمة مهما كانت العقبات والتحديات. وقد عمل «جوبز»، طوال مسـيرته العملية، على التفكير الخلّاق والشجاع في طرح الأفكار الجديدة، حتى لو بدت للكثيرين مستحيلة التنفيذ. وكان يرى أن «الطريق الوحيد لعمل أشـياء عظيمة هو أن تحب ما تفعله»، ولم يهمَّه «أن يكون أغنى رجل في العالم بقدر ما كان يهمه أن يعود إلى الفراش في المساء وهو يشعر بأنه قام بشـيء رائع». ومن جوانب التفرُّد الأخرى التي نبغ فيها ستيف جوبز، وأسهمت في تحقيق أسطورته بمجال التكنولوجيا على المستوى العالمي، أنه كان بارعاً في تكوين الفريق الذي يعمل معه، وبث الثقة فيه، بل اكتشاف مواطن القوة في أعضاء هذا الفريق التي ربما لا يعرفونها هم أنفسهم.

خلاصات مهمة

ويخلص الكتاب، في خاتمته، إلى أن دراسة الشخصيات العظيمة التي تضمَّنها تقدِّم الكثير من الدروس المهمة، أولها، أن التفوق في حقيقته قرار وإرادة قبل أي شيء آخر، وأن مواجهة الصعاب مهما كانت كبيرة ومعقدة ليست مبرِّراً للفشل أو الانكفاء على الذات، إذا توافرت الإرادة القوية والتصميم على النجاح. الدرس الثاني، أن العمل بروح الفريق هو أساس النجاح؛ فمهما كانت عبقرية الفرد، فإنه لا يمكنه تحقيق ما يريده إلا من خلال فريق يحسن اختياره. الدرس الثالث، عدم الركون إلى ما قدمه الأسلاف، أو النظر إليه على أنه منتهى ما يمكن أن يصل إليه الفكر الإنساني في مجالات السياسة والاقتصاد والعلم وغيرها، مهما كان عظيماً ومتفرِّداً. الدرس الرابع، أنه حينما يتحول العمل إلى رسالةٍ يظهر الإبداع والعبقرية. الدرس الخامس، أن إيمان الإنسان بقدراته يمثل الخطوة الأولى نحو النجاح والتميز. الدرس السادس والأخير، أنه لا يوجد نموذج واحد للقيادة والتميز والإبداع على المستوى العالمي يمكن أن يسير على نهجه الجميع، وإنما هناك نماذج متنوِّعة تفرضها طبيعة الظروف والتطورات في كل مجتمع من المجتمعات.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟