أعد«هنري سوكولسكي» المدير التنفيذي لمركز تعليم سياسة عدم الانتشار والمسؤول السابق في «البنتاجون» والمستشار في «مكتب تقييم الشبكة» البحثي التابع لوزارة الدفاع الأميركية دراسة رصينة ومتزنة بشأن احتمال حدوث انتشار ومنافسة نووية في منطقة آسيا والهادي. ورأت الدراسة التي نُشرت الشهر الماضي أن المستقبل النووي غير سلمي للغاية وكئيب نظراً للاتجاهات الحالية في تطوير أسلحة نووية ميدانية استراتيجية متوسطة وانتشار تكنولوجيا الصواريخ البالستية والمواد التي يمكن استخدمها في إنتاج الأسلحة النووية على امتداد المنطقة. وهذه الزاوية لا يراها معظم صانعي السياسة في العالم والأكاديميين من أصحاب النظريات الذين يرون أن العالم أصبح أكثر أمناً مع استمرار الولايات المتحدة وروسيا في تقليص مخزوناتهما من الأسلحة النووية، وبعد أن أصبح الردع النووي في واقع الحال «تلقائيا» ومع حصول القوى غير النووية على مواد ومنشآت نووية «سلمية». ويجادل «سوكولسكي» بأن الآراء الأكثر تفاؤلاً عن المستقبل النووي في آسيا والهادي تفشل في «الكشف الكامل عن نقاط عدم الأمان الإقليمية التي تثور مع التهديد بتجربة الأسلحة النووية أو تعزيزها» وتتجاهل «التداخل الكبير بين الأنشطة النووية الحربية والمدنية أو احتمال أن المنشآت أو المواد النووية السلمية قد تنحرف إلى صناعة قنابل» وتقلل من شأن عدم الاستقرار الاستراتيجي المحتمل الذي قد يتمخض عن نزع الأسلحة النووية الروسية والأميركية في مواجهة تراكم الأسلحة النووية في الصين والهند وباكستان وربما في دول إقليمية أخرى وانتشار المنشآت والمواد النووية. ويرى«سوكولسكي» أنه إذا استمرت التوجهات الحالية فإن «المنافسة العسكرية الاستراتيجية في العقود المقبلة ستكون شيئاً لم يشهده العالم من قبل». ففي ذروة الحرب الباردة، كانت القوى النووية الأخرى في العالم أقزام بالنسبة للترسانات النووية في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. واليوم بينما تجمد الولايات المتحدة وروسيا أو تواصل تقليص ترساناتها النووية، تعزز الصين والهند وباكستان قواتها النووية الاستراتيجية أو تحدثها مما يعني أن «سباق التسلح التالي سيدور بين عدد أكبر بكثير من المتنافسين يتمتعون بقدرات تدميرية عالية أكثر تقارباً بكثير وقادرة على التزايد بسرعة أكبر من أي وقت مضى في التاريخ». ويشير «سوكولسكي» إلى أن روسيا لديها حاليا 3600 سلاح نووي استراتيجي وتكتيكي والولايات المتحدة لديها 2130 والصين لديها ما بين 190 و900 والهند وباكستان وانجلترا وفرنسا وإسرائيل لدى كل واحدة منها ما بين 100 و400 سلاح نووي. وبالإضافة إلى هذا، وبسبب انتشار المواد الصالحة للاستخدام في إنتاج الأسلحة النووية والمنشآت النووية، هناك ست دول أخرى على الأقل وهي إيران والمملكة العربية السعودية وكوريا الجنوبية واليابان والجزائر، تعتبر «دولاً مستعدة لامتلاك أسلحة نووية في المدى القريب أو المتوسط». وهذا يعني بحسب سوكولسكي أن «مقعد الردع النووي سيكون له أرجل أكثر بكثير قد تفسح الطريق لوسائل أكثر إثارة للدهشة عما كان ممكنا قبل نصف قرن». وهناك تطورات أخرى في المنطقة تضيف أسباباً للقلق. فقد أعلنت روسيا وباكستان أنها ستستخدم الأسلحة النووية ضد القوات التقليدية للخصوم. والصين تعيد النظر في سياستها المعلنة الخاصة بشأن أنه «لا للاستخدام الأول». وأقامت روسيا والصين وكوريا الشمالية منشآت نووية تحت الأرض أو وسعتها لإخفاء وحماية قوتها النووية. وحصلت 24 دولة على أنظمة صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس حربية نووية. لا تحظى قدرات الصين وترسانتها النووية المتنامية بالانتباه الكافي رغم كثرة ما كتب عن صعود الصين كمنافس قوي للولايات المتحدة. ويشير سوكولسكي إلى جهود الصين في تحديث صواريخها القادرة على حمل رؤوس نووية وإنتاجها ما يكفي من البلوتونيوم واليورانيوم لصنع نحو 1200 سلاح نووي، وتطويرها ونشرها للغواصات المزودة بصواريخ بالستية، وتصنيعها ونشرها للصواريخ النووية البالستية عابرة للقارات دي. إف.-41.، ونشرها للرؤوس النووية التي تستهدف أهدافا متعددة في صواريخ دي. إف.-5.، وزيادة قدراتها على تخصيب اليورانيوم بما يمكنها من إنتاج أكثر من 500 سلاح نووي في العام بحلول عام 2020. وهذه التوجهات تهدد بتقويض فعالية المظلة النووية الأميركية الممتدة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وتلقي بالشكوك على قدرة الولايات المتحدة على حماية تايوان والفلبين واستراليا والحلفاء الآخرين في المنطقة. وهذا قد يقود اليابان وكوريا الجنوبية في المقابل، وربما دولاً أخرى إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية خاصة بها للردع. ويوصي «سوكولسكي» أولًا، بإعادة تقييم القدرات النووية الصينية والتحقق منها وتحويل جهود السيطرة على الأسلحة وعدم الانتشار إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي. وثانيا: تبني الدول التي تقدم المواد النووية معايير أشد صرامة في عدم الانتشار وتمسكها بإجراءات وقائية دولية أفضل لنقل التكنولوجيا النووية «السلمية». وثالثا، استباق تطورات الانتشار النووي والوقاية منها. وعلاوة على هذا، يتعين على الدول الراغبة في تحسين الاستقرار النووي تجنب مزالق الدبلوماسية مثل عدم الانتباه والدأب على التقليل من شأن المخاطر النووية التي قوضت جهود عدم الانتشار الناجحة رغم طول أمدها مع كوريا الشمالية وإيران. وإضافة عدم الاستقرار النووي لمنطقة تعج بالنزاعات الجيوسياسية ونقاط الاضطراب ليس إلا وصفة لكارثة. فرانسيس سيمبا: أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة ويلكيز الأميركية. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفيس»