لا يخفى على عاقل أن المنطقة العربية يُعاد صناعتها وفق أجندة دولية، ليس من أجل تحقيق طموحات من يقطن فيها، لكن كي نسهم نحن العرب في تحقيق أحلام غيرنا، وقد بدأت هذه القسمة «الضيزى» منذ اتفاقيات «سايكس بيكو»، بيد أن الزمان يعود مرة أخرى لكن مع عقول جديدة نشطة في رسم سيناريوهات المستقبل، ليس بجيوشها فقط، بل بالتعاون مع أطراف محلية، علمت تلك الأطراف دورها في اللعبة ام جهلته. ما دفعني لكتابة هذا المقال، قصاصتان إعلاميتان أولها من «الجارديان» التي نشرت الأسبوع الماضي مقابلة مع رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني دعا فيها قادة دول العالم إلى الإقرار بأن معاهدة سايكس-بيكو التي رسمت حدود دول منطقة الشرق الأوسط قد أثبت فشلها، ودعاهم للتوسط من أجل التوصل لاتفاقية جديدة تمهد الطريق لإقامة دولة كردستان، وقال البارزاني إن المجتمع الدولي بدأ يوافق على أن العراق وسوريا على وجه التحديد لن يكونا موحدين أبداً، وأنه لا يمكن فرض «تعايش إجباري» في المنطقة انتهى الاقتباس من «الجارديان». اما القصاصة الثانية، فهي أكثر غرابة حيث قال الباحث «إران ليرمان» في تقرير له، ينشره «مركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية» على موقعه الإلكتروني، إن خريطة الشرق الأوسط باتت موزعة بين «معسكرات» متنافسة، أولها هو إيران وأنصارها، وثانيها «داعش» والجهاديون، والثالث هو «حركة الإخوان المسلمين» بما فيها «حركة حماس»، والداعمون لها، والمعسكر الرابع يسميه الباحث «قوى الاستقرار» وهم كل الذين يحاولون منع المعسكرات الثلاثة الأولى من البروز، انتهى النقل. من يفهم صناعة القرارات الاستراتيجية وما تنتجه مراكز الأبحاث المتخصصة يدرك أن الأمر، وإن كان حلماً عند البعض هو في حقيقته واقع يراه راسم المستقبل، وهناك الكثير من الحقائق التي تؤكد أن منطقة العالم العربي على وشك الولادة من جديد، لكن بعد فترة هيجان تسمى «الربيع العربي»، والسؤال المحوري في مقالي يتلخص في الدور المطلوب منا نحن أبناء هذه المنطقة ؟ وفي تصوري هناك 3 خيارات واردة من الممكن أن تكون طرفاً فيها الاحتمال الأول هو السلبية، وانتظار ما تنتجه لنا المحافل الدولية، وهذا شعار رفعه الكثير من العرب الذين ارتضوا موقع المفعول به المنصوب الإرادة، وشعارهم ليس في الإمكان أفضل مما كان، وَمِمَّا يزيد الطين بلة أن يكون من هؤلاء بعض من تزعم الفكر والسياسة وزعم أنه بعيد النظر والكياسة. الاحتمال الثاني أن ينضم العربي إلى إحدى جماعات التغيير التي ذكرها الباحث «ليرمان»، فهناك من يرى أن زعامة المنطقة ينبغي أن تكون في إيران، وبالذات بعد أن نجحت في بسط نفوذها عبر من يؤمن بفكرها في أكثر من قطر عربي للأسف الشديد، وقد يظن بعض العرب أن ما تقوم به إيران ذو دوافع دينية إسلامية، لكنه في حقيقة الأمر استثمار للحالة الدينية لتحقيق مخططات عنصرية أول من سيكتوي بها من ناصرها من العرب، فكيف نتصور أن من فشل في بناء دولة الرفاهية لبني جلدته سيكون ناجحاً مع غيرهم. وفي مواجهة إيران قد ينضم بعض العرب إلى جماعات إسلامية أطلقت مفهوم «الجهادية» ضد كل شيء خالفها، ومن أشهرها «داعش»، بيد أن العاقل يرى أن «داعش» ومن نحى نحوها تلخبطت لديهم البوصلة، فأصبحوا حلفاء للأعداء. الاحتمال الثالث أن يتحالف العربي مع قيادته وبالذات في دولنا حيث تمكنت الحكومات في صناعة واقع لم يكن في سيناريوهات الأعداء، فوقفة الحزم مع أهل اليمن أعادت بناء الثقة في أننا قادرون على صناعة مستقبل المنطقة.