وافق الكونجرس مؤخراً على السماح بتصدير النفط الأميركي، وذلك بعد أكثر من أربعين عاماً من منع التصدير وتوجيه كامل الإنتاج لتلبية الاحتياجات المحلية. يأتي ذلك بفضل تزايد إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري وبلوغها مستويات إنتاج عالية، ما شجع على تحرير تجارة النفط هناك. ولكن ما تأثير ذلك على تجارة النفط الدولية بشكل عام وعلى صادرات دول «أوبك»، وبالأخص دول مجلس التعاون الخليجي من النفط الخام؟ مسألة في غاية الأهمية، وبالأخص في الوقت الحاضر، الذي تعاني فيه السوق من فائض وانهيار في الأسعار. أولاً بالنسبة للولايات المتحدة سيمنحها ذلك مرونة كبيرة في تلبية احتياجاتها وفي تعاملاتها في تجارة النفط بشكل عام، خصوصاً أن هناك تفاوتاً بين نوعية الإنتاج المحلي وطبيعة مخرجات مصانع التكرير في الولايات المتحدة، مما سيتيح لها الحصول على الأنواع المطلوبة محلياً، مقابل تصدير الأنواع الأقل ملاءمة للمصانع الأميركية، كما أن هناك جانباً تجارياً مهماً يكمن في إمكانية تبادل الخامات بينها وبين مناطق الإنتاج الأخرى من خلال عمليات التصدير والاستيراد، مما سيؤدي إلى توفير الكثير من تكاليف النقل، وبالتالي منح المنتجات أفضليات وقدرات تنافسية إضافية. أما بالنسبة للتداعيات المرتقبة على أسواق النفط العالمية، فإنها ستكون محدودة للغاية، على اعتبار أن قدرة الولايات المتحدة على التصدير ستكون مقتصرة أساساً على الجانب الذي ذكرناه آنفاً، أي تبادل الشحنات، فالاحتياجات الداخلية لا زالت كبيرة، إذ حتى في ظل الارتفاع الكبير في إنتاج النفط الصخري لا زال إجمالي إنتاج الولايات المتحدة لا يغطي كل احتياجاتها الداخلية. إضافة إلى ذلك، فإن عمليات إنتاج النفط الصخري بحد ذاتها تواجه صعوبات عديدة تتعلق بتكاليف الإنتاج، وبالأخص في الوقت الحاضر الذي تشهد فيه الأسعار تراجعات متواصلة ليفقد البرميل أكثر من 60% من سعره في أقل من عام واحد، علماً أن احتياطيات النفط الصخري لا تقاس بالاحتياطيات الهائلة للحقول التقليدية، مما يعني أن القدرة التنافسية للنفط الصخري، والذي سيشكل ربما النسبة الأكبر من صادرات النفط الأميركية سوف لن تتمتع بقدرات تنافسية كبيرة في الأسواق الدولية، وذلك إضافة إلى محدودية الكميات المصدرة منه. هناك أيضاً عامل لوجيستي مهم، فالثقل الأساسي لمشتريات النفط ينتقل تدريجياً إلى الشرق بدلاً من الغرب، مما يمنح نفط الخليج والشرق الأوسط أفضليات في القدرة على تلبية احتياجات الأسواق الآسيوية، كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يحدث عملياً في الوقت الحاضر، مما يعني أن صادرات النفط الأميركية إذا حدثت ستتركز أساساً على الأسواق الأوروبية، وهي أسواق أضحت أقل أهمية لنفوط الخليج العربي، إذ تؤكد صادرات الغاز الصخري الأميركي المستمرة منذ سنوات هذه الحقيقة. في نفس الوقت تملك إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما برنامجاً متكاملاً لتقليل اعتمادها على النفط، وبالأخص النفط المستورد، وهي تعمل على تطوير مصادر الطاقة البديلة، مما سيتيح لها في المستقبل زيادة صادراتها من النفط والغاز، إلا أن ذلك مرتبط بدوره باستمرار معدلات إنتاج النفط الصخري عند مستويات مرتفعة من جهة وعلى قدراتها في تطوير مصادر بديلة للطاقة من جهة أخرى، وهذه مسألة معقدة وطويلة المدى. وإذا أخذنا بعين الاعتبار كل هذه المعطيات، فإن سماح الكونجرس بتصدير النفط الأميركي ستكون لها انعكاسات ضئيلة للغاية، ولن تؤثر على حجم المعروض في الأسواق الدولية، كما أنه لن تكون لها تأثيرات تذكر على صادرات النفط الخليجية، علماً أن هناك ارتفاعاً في الطلب على النفط في السنوات القادمة سيتزامن مع شحنات التصدير الأميركية، ومع ذلك لا بد من متابعة هذه التداعيات بدقة في الفترة القادمة، فالمضاربون سيحاولون استغلال هذه التطورات للتأثير في الأسعار هبوطاً وارتفاعاً وفقاً لتوجهاتهم، مما سيزيد من تذبذب الأسعار في المرحلة القادمة، وهذا أحد التداعيات المتوقعة.